بعثة اللجنة الصهيونية بقيادة حاييم فايتسمان إلى فلسطين عام 1918
مثّلت هذه البعثة خطوة مهمة في انتقال الالتزام السياسي البريطاني تجاه الحركة الصهيونية من إعلان صدر في لندن إلى نشاط مؤسساتي على أرض فلسطين. وبالنسبة إلى الفلسطينيين، أظهر وصول اللجنة أن وعد بلفور لم يعد مجرد تصريح سياسي بريطاني، بل إن الحكم العسكري البريطاني بدأ يوفر إطارًا رسميًا تستطيع المؤسسات الصهيونية من خلاله العمل والتوسع داخل فلسطين.
وتُوصف رحلة عام 1918 أحيانًا خطأً بأنها الزيارة الأولى لفايتسمان إلى فلسطين، لكن فايتسمان كان قد زار فلسطين للمرة الأولى سنة 1907. أما أهمية عودته سنة 1918 فتكمن في أنه لم يصل هذه المرة بصفته ناشطًا صهيونيًا فرديًا، بل رئيسًا للجنة سياسية حظيت باعتراف ودعم السلطات البريطانية.
وفي تلك المرحلة، لم تكن بريطانيا قد استكملت بعد احتلال فلسطين كلها. فقد كانت القدس وأجزاء واسعة من جنوب ووسط فلسطين قد أصبحت تحت الاحتلال العسكري البريطاني، في حين بقيت مناطق من شمال فلسطين تحت السيطرة العثمانية حتى أيلول/سبتمبر 1918.
من هو حاييم فايتسمان؟
كان حاييم فايتسمان من أكثر قادة الحركة الصهيونية تأثيرًا خلال النصف الأول من القرن العشرين، وأدى دورًا مهمًا في النشاط الدبلوماسي الذي سبق صدور وعد بلفور.
وُلد فايتسمان سنة 1874 في الإمبراطورية الروسية، ثم استقر لاحقًا في بريطانيا، حيث برز عالمًا في الكيمياء إلى جانب نشاطه بوصفه أحد أبرز القادة السياسيين الصهاينة.
وأتاح له عمله العلمي خلال الحرب العالمية الأولى إقامة علاقات أوثق مع شخصيات بارزة في الدوائر السياسية البريطانية، في الوقت الذي مكنه نشاطه الصهيوني من التواصل مع سياسيين من بينهم آرثر جيمس بلفور وديفيد لويد جورج.
وأصبح فايتسمان من أبرز الشخصيات التي عملت على دفع بريطانيا إلى تبني المشروع الصهيوني في فلسطين. وبعد قيام دولة إسرائيل عام 1948 والنكبة الفلسطينية، انتُخب في عام 1949 أول رئيس لإسرائيل.
وصول اللجنة الصهيونية إلى فلسطين
وصل فايتسمان إلى فلسطين في نيسان/أبريل 1918 رئيسًا لـاللجنة الصهيونية لفلسطين. وضمت البعثة ممثلين صهاينة من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، ورافقها مسؤولون بريطانيون تولوا مهمة الاتصال بينها وبين الإدارة العسكرية البريطانية.
ولا ينبغي الخلط بين هذه اللجنة وبين فيلق البغال الصهيوني (Zion Mule Corps). فقد كان فيلق البغال وحدة نقل عسكرية يهودية منفصلة أُنشئت تحت القيادة البريطانية سنة 1915 وشاركت في حملة غاليبولي، ثم حُلّت لاحقًا. ولم يكن هو الوفد السياسي الذي رافق فايتسمان إلى فلسطين سنة 1918.
وكانت الحكومة البريطانية قد وافقت رسميًا على إرسال اللجنة الصهيونية. وشملت المهام المعلنة دراسة أوضاع المستعمرات اليهودية في فلسطين، وتنظيم أعمال الإغاثة، والمساعدة في إصلاح الأضرار التي لحقت بالمستعمرات والمؤسسات اليهودية خلال الحرب، وإعادة تشغيل عدد من المؤسسات، إلى جانب العمل على إقامة علاقات مع السكان العرب وغيرهم من السكان غير اليهود.
كما شملت المهام التي ظهرت في الوثائق البريطانية منع المضاربة بالأراضي خلال الحرب، والعمل على إعادة فتح البنوك اليهودية، ودراسة مشروع إنشاء جامعة عبرية في القدس، وربط المصالح والمؤسسات اليهودية بالإدارة العسكرية البريطانية.
لكن وراء هذه المهام المباشرة كان هناك هدف سياسي أوسع مرتبط بوعد بلفور نفسه. فقد كان مطلوبًا من اللجنة تقديم المشورة والتنسيق مع السلطات البريطانية بشأن الإجراءات التي يمكن أن تساعد على تطبيق السياسة البريطانية الداعمة لإقامة ما سمّته «الوطن القومي اليهودي» في فلسطين.
بناء المؤسسات الصهيونية تحت الاحتلال البريطاني
كان من أهم نتائج البعثة تعزيز وإعادة تنظيم الوجود المؤسساتي الصهيوني داخل فلسطين.
وكانت الحركة الصهيونية قد أنشأت قبل الحرب مكتب فلسطين في يافا سنة 1908، بوصفه ذراعًا تنفيذية للمنظمة الصهيونية داخل البلاد، وتولى المكتب متابعة الاستيطان وشراء الأراضي والتعامل مع السلطات العثمانية.
وبعد وصول اللجنة الصهيونية، أعيد تنظيم هذا الجهاز المؤسسي في صورة أقسام متخصصة شملت مجالات مثل:
- الأراضي والاستيطان.
- الهجرة.
- الزراعة.
- المالية.
- التعليم.
- الإحصاء والإدارة.
ومن المنظور التاريخي الفلسطيني، كان لهذا التطور أثر بالغ؛ إذ ساعد على إنشاء بنية صهيونية أكثر تنظيمًا داخل فلسطين تعمل في ظل الحماية والرعاية السياسية للقوة البريطانية المحتلة.
كما أدت اللجنة دور الوسيط بين المؤسسات الصهيونية والإدارة العسكرية البريطانية، وهو ما منح الحركة الصهيونية مستوى من الوصول الرسمي إلى سلطات الاحتلال لم يكن متاحًا للعرب الفلسطينيين من خلال هيئة تمثيلية فلسطينية موازية تتمتع بالمكانة نفسها.
الصندوق القومي اليهودي والوكالة اليهودية
لم تؤسس بعثة عام 1918 الصندوق القومي اليهودي، إذ كان الصندوق قد أُنشئ أصلًا سنة 1901 بهدف جمع الأموال وشراء الأراضي من أجل الاستيطان اليهودي في فلسطين.
كما أن الوكالة اليهودية بصيغتها المؤسسية اللاحقة لم تُنشأ خلال زيارة فايتسمان عام 1918. لكن اللجنة الصهيونية مثّلت مرحلة مهمة في تطور الهيكل المؤسسي الذي تولى لاحقًا كثيرًا من الوظائف المرتبطة بالوكالة.
وفي عام 1921، أعيد تنظيم اللجنة الصهيونية وأصبحت تُعرف باسم التنفيذية الصهيونية الفلسطينية (Palestine Zionist Executive). ومع قيام نظام الانتداب البريطاني، حظيت المنظمة الصهيونية بالمكانة التي نص عليها صك الانتداب للوكالة اليهودية، بحيث تؤدي دورًا استشاريًا وتتعاون مع إدارة الانتداب في القضايا المرتبطة بإقامة «الوطن القومي اليهودي».
وفي سنة 1929، أُنشئت الوكالة اليهودية لفلسطين بصيغتها الموسعة، بمشاركة ممثلين صهاينة وغير صهاينة، وأصبحت من أهم المؤسسات السياسية والاقتصادية والتنظيمية للمشروع الصهيوني في فلسطين.
رد الفعل الفلسطيني على اللجنة الصهيونية
أثار وصول فايتسمان واللجنة الصهيونية قلقًا متزايدًا في أوساط الفلسطينيين.
فقد كان العرب الفلسطينيون على علم بوعد بلفور، لكن وصول بعثة صهيونية رسمية معترف بها تعمل إلى جانب الإدارة العسكرية البريطانية جعل الآثار العملية للسياسة البريطانية أكثر وضوحًا بالنسبة إليهم.
وأكدت تحقيقات بريطانية لاحقة أهمية هذه اللحظة. فقد أشارت لجنة بالين، التي حققت في أحداث عام 1920، إلى أن وصول اللجنة الصهيونية المعتمدة من الحكومة البريطانية، والتي جاءت لدراسة إمكانات إقامة الوطن القومي اليهودي، أسهم في جعل السكان العرب يدركون بصورة أوضح ما يمكن أن يعنيه وعد بلفور على أرض الواقع.
وسجلت التحقيقات البريطانية أيضًا اختلالًا مهمًا في التمثيل السياسي: فقد حظيت اللجنة الصهيونية باعتراف رسمي وإمكانية الوصول إلى سلطات الإدارة، في حين لم تُنشأ هيئة مماثلة لتمثيل السكان العرب الفلسطينيين وعرض موقفهم أمام السلطات البريطانية بالمكانة نفسها.
وأصبح هذا الاختلال أحد المصادر المبكرة للاستياء الفلسطيني من الحكم البريطاني، وعزز المخاوف من أن بريطانيا لا تدير فلسطين باعتبارها مجرد قوة احتلال مؤقتة، بل تعمل على تسهيل مشروع سياسي يتعلق مباشرة بمستقبل الأرض والسيادة والسكان في فلسطين.
من وعد بلفور إلى بناء بنية سياسية على الأرض
لذلك تجاوزت أهمية بعثة فايتسمان سنة 1918 حدود الزيارة الدبلوماسية.
فقد عبّر وعد بلفور عن التأييد السياسي البريطاني لإقامة «وطن قومي للشعب اليهودي» في فلسطين، بينما مثّلت اللجنة الصهيونية إحدى أولى الآليات المؤسساتية التي بدأ من خلالها هذا الالتزام يتحول إلى نشاط عملي داخل البلاد.
ودرست اللجنة أوضاع فلسطين، ونسقت مع المسؤولين البريطانيين، وعملت على تقوية المؤسسات الصهيونية وإعادة تنظيم أجهزتها الإدارية، وأسهمت في وضع أسس مؤسساتية استُخدمت لاحقًا في مجالات الهجرة والاستيطان وشراء الأراضي والتعليم والتنظيم السياسي والاقتصادي.
ومن منظور فلسطيني، مثّل ذلك تحولًا بالغ الأهمية. فالحركة الصهيونية الأوروبية التي تسعى إلى تغيير مستقبل فلسطين لم تعد تعمل فقط من خلال مؤسسات موجودة خارج البلاد أو ضمن القيود التي فرضتها الدولة العثمانية، بل أصبح لها جهاز معترف به يعمل داخل فلسطين بموافقة القوة البريطانية المحتلة.
محطة مفصلية في التجربة الفلسطينية
لم تؤد بعثة عام 1918 إلى إقامة دولة يهودية بصورة فورية، ولم تغيّر في لحظة واحدة الواقع الديموغرافي لفلسطين. لكن أهميتها التاريخية تكمن في العلاقة السياسية والمؤسساتية التي ساعدت على ترسيخها بين الحركة الصهيونية والحكم البريطاني.
وخلال السنوات التالية، اتخذ الدعم البريطاني للمشروع الصهيوني شكلًا أكثر تنظيمًا في ظل الانتداب، إذ فُتحت أبواب الهجرة اليهودية ضمن أطر قانونية بريطانية، وحظيت المؤسسات الصهيونية باعتراف رسمي وقدرة على التعاون مع الإدارة، في الوقت الذي اصطدمت فيه المطالب الفلسطينية بإقامة حكومة تمثيلية والاستقلال الوطني والسيطرة على سياسات الهجرة والأرض بالسياسة البريطانية.
وتصاعدت المقاومة الفلسطينية لهذه السياسات تدريجيًا، بداية من الجمعيات السياسية والعرائض والمؤتمرات والاحتجاجات الشعبية، وصولًا إلى أشكال أوسع من المقاومة ضد الاحتلال البريطاني والاستيطان الصهيوني.
من اللجنة الصهيونية إلى النكبة الفلسطينية
لا يمكن اختزال النكبة الفلسطينية في بعثة واحدة وصلت إلى فلسطين قبل ثلاثين عامًا، كما لا يمكن اعتبار كل ما جرى لاحقًا تنفيذًا مباشرًا لبرنامج اللجنة الصهيونية سنة 1918. لكن وصول اللجنة مثّل محطة مؤسساتية مبكرة في المسار الذي انتقل فيه وعد بلفور من تعهد سياسي بريطاني إلى بناء مؤسسات صهيونية تعمل داخل فلسطين في ظل الحماية البريطانية.
وعلى امتداد العقود التالية، توسعت الهجرة والاستيطان الصهيونيان، وازدادت عمليات شراء الأراضي، وتطورت المؤسسات السياسية والاقتصادية والعسكرية الصهيونية، بينما استمر الفلسطينيون في مقاومة الاحتلال البريطاني والمشروع الصهيوني والمطالبة بالاستقلال وحق تقرير المصير.
وبين عامي 1947 و1949، دخل المشروع الصهيوني مرحلة حاسمة تمثلت في احتلال أجزاء واسعة من فلسطين والنكبة الفلسطينية. فقد هُجّر نحو ثلاثة أرباع مليون فلسطيني من مدنهم وقراهم، ودُمّرت أو أُفرغت مئات التجمعات الفلسطينية من سكانها، وأُقيمت دولة إسرائيل عام 1948 على القسم الأكبر من فلسطين الانتدابية.
ومن هذا المنظور، يُنظر إلى وصول حاييم فايتسمان واللجنة الصهيونية سنة 1918 باعتباره إحدى المحطات المبكرة في بناء البنية السياسية والمؤسساتية التي استفاد منها المشروع الصهيوني خلال فترة الاحتلال والانتداب البريطانيين. وبعد ثلاثة عقود، كانت فلسطين قد شهدت تحولًا جذريًا في بنيتها السياسية والديموغرافية، بلغ ذروته في النكبة وما رافقها من اقتلاع جماعي للفلسطينيين، وتدمير مئات القرى والبلدات، وتحول قضية اللاجئين وحق العودة إلى محورين أساسيين في القضية الفلسطينية.
اقرأ أيضاً من الأرشيف
تحميل تطبيق فلسطيننا
الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.
أضف تعليقك
الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.