فلسطيننا

الجدول بعرض الصفحة

خط زمني 01 كانون الثاني 1890

نشأة مصطلح الصهيونية: من “صهيون” إلى المشروع السياسي والنكبة

نشأة مصطلح الصهيونية: من “صهيون” إلى المشروع السياسي والنكبة

نشأة مصطلح الصهيونية: من “صهيون” إلى المشروع السياسي والنكبة

لا يمكن فهم نشأة الصهيونية الحديثة باعتبارها مجرد امتداد للارتباط الديني اليهودي بـ“صهيون”. فقد ظهرت الصهيونية السياسية في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر، في بيئة شهدت صعود القوميات الأوروبية، وتصاعد معاداة السامية، واتساع المشاريع الاستعمارية والتنافس بين القوى الكبرى على المشرق العربي وشرقي البحر المتوسط. ومن داخل هذه البيئة، جرى تحويل رمز ديني وتاريخي قديم إلى برنامج قومي وسياسي حديث اتجه بصورة متزايدة نحو فلسطين.

ويرتبط ظهور مصطلح “الصهيونية” (Zionismus) بالكاتب والمفكر اليهودي النمساوي ناثان بيرنباوم (Nathan Birnbaum)، الذي صاغ المصطلح في مطلع تسعينيات القرن التاسع عشر لوصف تيار قومي يهودي يتجه نحو فلسطين وفكرة “العودة إلى صهيون”. وكان بيرنباوم قد استخدم منذ سنة 1890 مشتقات من المصطلح، قبل أن يستقر استخدام Zionismus للدلالة على الحركة القومية والسياسية الناشئة.

واشتُق الاسم من “صهيون” (Zion)، وهو اسم ارتبط في النصوص التوراتية بمدينة القدس، ثم اكتسب في التراث اليهودي معنى دينيًا ورمزيًا أوسع يشير إلى القدس، وإلى الأرض التي تعرف في التراث اليهودي باسم “أرض إسرائيل”.

لكن التحول التاريخي الحاسم لم يكن في ظهور الرمز نفسه، بل في نقله من المجال الديني والروحي إلى مشروع سياسي وإقليمي منظم يسعى إلى إقامة كيان قومي على أرض فلسطين.

وتسارع هذا التحول مع تيودور هرتسل، ولا سيما بعد نشر كتابه Der Judenstaat (الدولة اليهودية) عام 1896. رأى هرتسل أن معاداة السامية في أوروبا لا يمكن حلها بالاندماج وحده، ودعا إلى إنشاء كيان سياسي ذي سيادة لليهود. وبعد ذلك بعام، انعقد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل سنة 1897، وأقر برنامجًا جعل إقامة وطن للشعب اليهودي في فلسطين مضمونًا بقانون عام هدفًا سياسيًا للحركة.

من فكرة قومية إلى مشروع سياسي واستيطاني

لم تتطور الصهيونية في فراغ سياسي. فقد كانت فلسطين جزءًا من المشرق العربي الخاضع آنذاك للدولة العثمانية، وتقع في منطقة تتنافس عليها القوى الأوروبية بسبب موقعها الاستراتيجي وارتباطها بشرقي البحر المتوسط وطرق الوصول إلى آسيا.

ومن هنا، بدأت أهداف الحركة الصهيونية تتقاطع تدريجيًا مع مصالح قوى أوروبية كانت تبحث عن النفوذ في المنطقة. ولم يكن هذا التقاطع مجرد مسألة فكرية؛ فقد أصبح، مع مرور الوقت، عاملًا مهمًا في انتقال الصهيونية من حركة قومية أوروبية إلى مشروع يمتلك غطاءً سياسيًا دوليًا ومؤسسات قادرة على تنظيم الهجرة وشراء الأراضي وإقامة المستعمرات في فلسطين.

وشملت هذه العملية تأسيس مؤسسات صهيونية متخصصة في جمع الأموال، وشراء الأراضي، وتنظيم الهجرة، وإقامة المستعمرات الزراعية، وبناء مؤسسات اقتصادية وتعليمية وسياسية منفصلة. وهكذا بدأ يتشكل في فلسطين مجتمع استيطاني منظم يمتلك شبكاته ومؤسساته الخاصة، بالتوازي مع المجتمع العربي الفلسطيني القائم في البلاد.

وعد بلفور وتحول الدعم إلى سياسة رسمية

بلغ التقاطع بين المشروع الصهيوني والمصالح الغربية مرحلة حاسمة خلال الحرب العالمية الأولى. ففي 2 تشرين الثاني/نوفمبر 1917، أصدرت الحكومة البريطانية وعد بلفور، الذي أعلن تأييد بريطانيا لإقامة “وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين”.

وتكمن إحدى أهم دلالات الإعلان من المنظور الفلسطيني في أنه صدر عن قوة إمبراطورية أوروبية بشأن مستقبل بلد لم يكن خاضعًا لها أصلًا عند بدء الحرب، وكان سكانه في أغلبيتهم الساحقة من العرب الفلسطينيين. والأكثر دلالة أن نص الوعد لم يذكر الفلسطينيين باسمهم، بل وصفهم بأنهم “الطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين”، وتعهد بعدم المساس بحقوقهم المدنية والدينية، من دون الاعتراف لهم بحقوق سياسية أو قومية مماثلة.

ومن هنا أصبح وعد بلفور، في التاريخ الفلسطيني، نقطة تحول أساسية: فقد انتقل الدعم للمشروع الصهيوني من النشاط السياسي والدبلوماسي إلى التزام رسمي من قوة كبرى، ثم أُدرجت مبادئه لاحقًا في نظام الانتداب البريطاني على فلسطين.

الأرض والسكان في المشروع الصهيوني

مع اتساع الهجرة والاستيطان، أصبحت الأرض والديموغرافيا في قلب الصراع. فالمشكلة الأساسية التي واجهت المشروع الصهيوني كانت أن فلسطين لم تكن أرضًا خالية؛ بل بلدًا مأهولًا بمجتمع عربي فلسطيني له مدنه وقراه وأراضيه واقتصاده وحياته الاجتماعية والسياسية.

ومع ذلك، ظهرت في بعض الخطابات الغربية والمؤيدة للصهيونية صورة لفلسطين بوصفها أرضًا تنتظر الاستيطان، واشتهر في هذا السياق تعبير “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”. ولم يكن هذا التعبير برنامجًا رسميًا موحدًا لجميع التيارات الصهيونية، لكنه عبّر عن تصور همّش وجود السكان الفلسطينيين أو قلل من أهميتهم السياسية في مستقبل البلاد.

ومن المنظور الفلسطيني، لم تكن المشكلة في الارتباط الديني اليهودي بالقدس أو فلسطين، وإنما في تحويل هذا الارتباط إلى مطالبة سياسية وسيادية على بلد مأهول بشعب آخر، ثم بناء المؤسسات والهجرة والاستيطان على أساس تغيير الواقع السكاني والسياسي للأرض.

ولهذا تحلل قطاعات واسعة من الدراسات الفلسطينية، إلى جانب اتجاهات أكاديمية في دراسات الاستعمار، الصهيونية باعتبارها شكلًا من أشكال الاستعمار الاستيطاني: أي مشروع يقوم على انتقال جماعة استيطانية إلى أرض مأهولة، والسعي إلى بناء مجتمع سياسي جديد فيها، بما يؤدي إلى إعادة تشكيل العلاقة بين السكان والأرض والسيادة. وفي المقابل، تصف الأدبيات الصهيونية الحركة باعتبارها حركة قومية يهودية لتحقيق تقرير المصير وإقامة دولة لليهود، ولا سيما في مواجهة الاضطهاد ومعاداة السامية في أوروبا.

من الاستيطان إلى الصراع على فلسطين

على امتداد العقود التالية، لم يعد المشروع الصهيوني مقتصرًا على فكرة “العودة إلى صهيون”. فقد تراكمت الهجرة، وشراء الأراضي، وإقامة المستعمرات، وإرتكاب العصابات الصهيونية للمجازر ضد الفلسطينيين، وتأسيس المؤسسات الاقتصادية والعسكرية والسياسية، بالتوازي مع تنامي المقاومة السياسية والشعبية الفلسطينية للمشروع وللسياسة البريطانية الداعمة له.

وهكذا أصبحت فلسطين ساحة صراع متزايد حول سؤال جوهري: من يملك الأرض، ومن يملك الحق في تحديد مستقبل البلاد السياسي؟

وبالنسبة إلى الفلسطينيين، أخذت نتائج المشروع تظهر بصورة ملموسة في فقدان بعض الفلاحين لأراضيهم ومصادر معيشتهم نتيجة انتقال الملكية في عدد من المناطق، وفي بناء قطاع اقتصادي واستيطاني منفصل، وفي تزايد الهجرة التي استهدفت إنشاء أغلبية يهودية قادرة على إقامة دولة في بلد ظل العرب الفلسطينيون يشكلون أغلبية سكانه حتى السنوات الأخيرة من الانتداب.

الصهيونية والنكبة الفلسطينية

بلغ الصراع على فلسطين ذروته في الفترة بين عامي 1947 و1949. فبعد صدور قرار تقسيم فلسطين في تشرين الثاني/نوفمبر 1947، تصاعدت المواجهات وتحولت التنظيمات العسكرية الصهيونية إلى تنفيذ سلسلة من العمليات الواسعة للسيطرة على المدن والقرى والمناطق التي أصبحت لاحقًا جزءًا من دولة إسرائيل.

وبحلول نهاية الحرب، كانت الخريطة البشرية لفلسطين قد تغيرت بصورة جذرية. فقد أصبح نحو ثلاثة أرباع مليون فلسطيني لاجئين خارج مدنهم وقراهم، وهُجّر سكان مئات التجمعات الفلسطينية ودُمّر عدد كبير منها أو مُنع سكانها من العودة إليها. ويوثق كتاب كي لا ننسى / All That Remains لوليد الخالدي 418 قرية فلسطينية مهجّرة، بينما تشير مصادر فلسطينية أخرى إلى تدمير وإفراغ أكثر من أربعمئة قرية وبلدة خلال النكبة.

ولذلك لا تظهر النكبة عام 1948 في القراءة الفلسطينية كحدث منفصل بدأ فجأة في ذلك العام، وإنما باعتبارها نقطة الذروة في مسار تاريخي سبقها بعقود: بدأ بتحويل فكرة قومية أوروبية إلى مشروع سياسي مرتبط بفلسطين، ثم بناء مؤسسات للهجرة وامتلاك الأرض والاستيطان، والحصول على دعم دولي، وصولًا إلى الصراع العسكري الذي غيّر بصورة جذرية ملكية الأرض والبنية السكانية والسياسية للبلاد.

وقد أُقيمت دولة إسرائيل عام 1948 في القسم الأكبر من فلسطين الانتدابية، بينما وجد معظم الفلسطينيين الذين كانوا يعيشون في الأراضي التي سيطرت عليها الدولة الجديدة أنفسهم خارج قراهم ومدنهم. ودُمّرت أو أُفرغت مئات التجمعات الفلسطينية، وتحول اللاجئون وحقهم في العودة إلى واحدة من القضايا المركزية التي ما تزال في صميم القضية الفلسطينية.

افتح المقال على شكل PDF

اقرأ أيضاً من الأرشيف

شارك هذا المقال

تحميل تطبيق فلسطيننا الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.

التعليقات

2 تعليق

  1. زائر

    من هنا تبدأ الحكاية... ومن هنا يبدأ الظلم الذي ما زال مستمرًا حتى اليوم.

  2. زائر

    مصيرهم الى زوال و هذه حقيقة قرآنية

أضف تعليقك

الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.