في واحدة من أكثر السياسات الإجرامية، يواصل الاحتلال الإسرائيلي احتجاز جثامين مئات الشهداء الفلسطينيين والعرب — بعضهم منذ أكثر من نصف قرن — في مقابر عسكرية سرية عُرفت باسم "مقابر الأرقام"، إلى جانب جثامين أخرى محتجزة في ثلاجات الموتى. وتُعدّ هذه السياسة شكلاً من العقاب الذي يمتدّ إلى ما بعد الموت؛ إذ يُحرم الشهداء من الدفن الكريم، وتُحرم عائلاتهم من وداعهم.
المقابر المعروفة
رغم السرية المحيطة بها، كشفت تقارير حقوقية فلسطينية ودولية — وردود رسمية إسرائيلية — عن وجود ما لا يقلّ عن ست مقابر:
١. جسر بنات يعقوب
تقع قرب منطقة "عميعاد" العسكرية شمال فلسطين، عند ملتقى الحدود مع سوريا ولبنان. تشير بعض المصادر إلى نحو ٥٠٠ قبر فيها لشهداء فلسطينيين ولبنانيين، غالبيتهم من ضحايا الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام ١٩٨٢ وما تلاه (تختلف التقديرات بين المصادر، وبعضها يتحدّث عن عشرات القبور فقط).
٢. مقبرة غور الأردن
تقع في منطقة عسكرية مغلقة بين مدينة أريحا وجسر دامية، تحيط بها أسوار وبوابة حديدية عُلّقت فوقها لافتة بالعبرية كُتب عليها "مقبرة لضحايا العدو". تضمّ أكثر من مئة قبر تحمل أرقاماً متسلسلة من ٥٠٠٣ إلى ٥١٠٧؛ ويُرجَّح أن تكون هذه الأرقام تسلسلية لقبور موزّعة على مقابر أخرى.
٣. مقبرة ريفيديم
تقع في غور الأردن، ولا يُعرف عدد قبورها أو الجثامين المحتجزة فيها على وجه الدقة.
٤. مقبرة شحيطة
تقع في قرية وادي الحمام شمال مدينة طبريا، بين جبل أربيل وبحيرة طبريا. تضمّ جثامين شهداء سقطوا في معارك الأغوار بين عامي ١٩٦٥ و١٩٧٥. وتُعدّ من أكثر المقابر إثارة للقلق، إذ إنّ كثيراً من قبورها سطحية قليلة العمق، ما يجعلها عرضة لعوامل التعرية والانجراف.
٥. مقبرة منوحا نخونا — بئر السبع
كُشف عن وجودها رسمياً ضمن ردّ قدّمته السلطات الإسرائيلية عام ٢٠١٦ على التماس قانوني تقدّمت به مؤسسات حقوقية فلسطينية.
٦. مقبرة عسقلان
من المقابر التي أقرّت إسرائيل بوجودها ضمن الردود الرسمية المتعلقة بملف الجثامين المحتجزة عام ٢٠١٦.
ملف غزة ومعسكر "سديه تيمان"
مع حرب الإبادة على غزة، صعّد الاحتلال من احتجاز الجثامين بشكل غير مسبوق. وفي تموز/يوليو ٢٠٢٤، كشفت صحيفة "هآرتس" العبرية أنّ الاحتلال يحتجز نحو ١٥٠٠ جثمان لفلسطينيين مجهولي الهوية، خُزّنت في حاويات مبرّدة داخل القاعدة العسكرية المعروفة باسم "سديه تيمان"، وصُنّفت بالأرقام لا بالأسماء.
ويُقدَّر عدد شهداء غزة المحتجزين بالمئات، غير أنّ الاحتلال لم يصرّح رسمياً بالأعداد الحقيقية، ولا تدخل هذه الجثامين ضمن الإحصاءات الرسمية لمقابر الأرقام.
الإطار القانوني للاحتجاز
في عام ٢٠١٥، أجازت المحكمة العليا الإسرائيلية — أعلى مرجع قضائي في دولة الاحتلال — سياسة احتجاز جثامين الشهداء، رغم غياب أي قانون محلي أو دولي يسمح بذلك؛ وذلك بموجب قرارٍ سياسي أيّدته المحكمة. وقد اتُّخذت قرارات احتجاز بعض الجثامين على مستوى وزير الجيش الإسرائيلي مباشرة.
وفي ١٥ شباط/فبراير ٢٠٢٠، اعترف الاحتلال لأول مرة بأماكن دفن جثامين ١٢٣ شهيداً في مقابر الأرقام، بعد ثلاثة التماسات تقدّمت بها الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء إلى المحكمة العليا منذ عام ٢٠١٦.
معاناة لا تنتهي
لا تتوقف مأساة العائلات عند فقدان أبنائها، بل تمتدّ لسنوات بسبب احتجاز الجثامين ومنع دفنها. فكثير من الأهالي لا يعرفون مكان أبنائهم ولا ظروف دفنهم، وبعضهم ينتظر منذ عقود استعادة جثمان ابنه أو شقيقه. ووصفت العائلات هذه السياسة بأنها "عقوبة جماعية" تطال الأحياء والأموات معاً، تحرمهم من أبسط حقوقهم في وداع أحبائهم ودفنهم وفق عاداتهم الدينية والاجتماعية.
مخالفة للقانون الدولي
تنصّ اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني على احترام جثامين القتلى أثناء النزاعات المسلحة، وضمان دفنهم بصورة لائقة، وتمكين ذويهم من معرفة مصيرهم وأماكن دفنهم. وترى مؤسسات حقوق الإنسان أنّ احتجاز الجثامين ودفنها في مقابر الأرقام انتهاكٌ واضح لهذه المبادئ، فضلاً عن كونه انتهاكاً للكرامة الإنسانية التي يجب أن تُصان حتى بعد الموت. كما تؤكّد أنّ استخدام الجثامين ورقة ضغطٍ سياسية أو تفاوضية يمثّل سابقة خطيرة تتعارض مع المواثيق الدولية.
نضالٌ مستمر لاسترداد الجثامين
خاضت مؤسسات حقوقية فلسطينية، إلى جانب العائلات، معارك قانونية طويلة للكشف عن أماكن الدفن واسترداد الجثامين. وفي عام ٢٠١٨، انطلقت الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء والكشف عن مصير المفقودين بمبادرة من مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، فأسّست مرجعاً موثّقاً لهذا الملف في ظلّ غياب الوثائق الرسمية. ورغم نجاح هذه الجهود في استعادة عددٍ من الجثامين، لا يزال المئات محتجزين.
ومنذ عام ٢٠٠٨، يُحيي الفلسطينيون في ٢٧ آب/أغسطس من كل عام "اليوم الوطني لاسترداد جثامين الشهداء".
تبقى مقابر الأرقام شاهداً على واحدة من أكثر القضايا الإنسانية إيلاماً في فلسطين؛ فخلف الأسلاك العسكرية وفي مناطق معزولة عن الأنظار، يرقد مئات الشهداء بلا أسماء ولا شواهد، بينما تنتظر عائلاتهم لحظة استعادتهم ومواراتهم الثرى بين أهلهم.
إنّ حقّ الإنسان في اسمه وهويته ودفنه الكريم لا يسقط بالموت، ولا ينبغي أن يخضع لحساباتٍ سياسية أو أمنية. ولذلك ستبقى قضية مقابر الأرقام جرحاً مفتوحاً في الذاكرة الفلسطينية ما دام أصحاب هذه القبور مجهولي الأسماء في وطنٍ يعرف أسماءهم ويحفظ تضحياتهم.

شاركنا برأيك