فلسطيننا

الجدول بعرض الصفحة

مقال

هل باع الفلسطينيون أرضهم لليهود؟ الحقائق والأرقام القصة الكاملة قبل النكبة

هل باع الفلسطينيون أرضهم لليهود؟ الحقائق والأرقام القصة الكاملة قبل النكبة

هل باع الفلسطينيون أرضهم؟ الحقيقة بالأرقام والوثائق

تتكرر منذ عقود عبارة تبدو بسيطة للوهلة الأولى: «الفلسطينيون باعوا أرضهم، فلماذا يطالبون بها اليوم؟». تحولت هذه الجملة من ادعاء تاريخي يحتاج إلى إثبات إلى اختصار سياسي لقصة طويلة تمتد من قوانين الأراضي العثمانية، مرورًا بالاستيطان الصهيوني والانتداب البريطاني وثورات الشعب الفلسطيني، وصولًا إلى احتلال فلسطين سنة 1948 والنكبة وتهجير مئات آلاف الفلسطينيين من مدنهم وقراهم.

المشكلة الأساسية في هذه العبارة أنها تخلط بين ثلاثة أمور مختلفة تمامًا: شراء قطع محددة من الأرض بعقود قانونية، وملكية الأرض في فلسطين ككل، والاستيلاء العسكري الذي وقع سنة 1948. فوجود صفقات بيع حقيقية لا يعني أن فلسطين بيعت، تمامًا كما لا يعني شراء مستثمر آلاف الهكتارات في دولة ما أنه اشترى تلك الدولة أو حصل على السيادة عليها.

ولفهم ما حدث فعلًا، يجب العودة إلى الأرقام والقوانين وطبيعة ملكية الأرض، ومعرفة من كان يبيع ومن كان يشتري، ثم مقارنة مساحة الأراضي التي امتلكتها المؤسسات والأفراد اليهود قانونيًا بالمساحة التي احتلتها العصابات الصهيونية ثم دولة الإحتلال الصهيوني سنة 1948، وأخيرًا تتبّع ما جرى للأرض بعد النكبة.

ما المشكلة في عبارة «الفلسطينيون باعوا أرضهم»؟

السؤال الصحيح ليس: «هل باع فلسطيني أرضًا ليهودي أو لمؤسسة صهيونية؟». الإجابة عن هذا السؤال هي نعم؛ حدثت عمليات بيع موثقة من ملاك فلسطينيين، لكن الحصة الأكبر بكثير جاءت من كبار ملاك عرب غير فلسطينيين كانوا يقيمون في بيروت ودمشق وغيرهما، ومن أراضٍ حكومية منحتها سلطات الانتداب، ومن الكنائس والشركات الأجنبية.

أما السؤال التاريخي الأهم فهو: هل كانت هذه المبيعات هي الطريقة التي انتقلت بها فلسطين من شعب عربي فلسطيني يشكل غالبية السكان ويملك معظم الأرض، إلى دولة الإحتلال الصهيوني التي قامت سنة 1948 على معظم أرض فلسطين؟

الأرقام التاريخية لا تدعم هذا التفسير؛ فحتى عشية التقسيم لم تتجاوز الملكية اليهودية نسبة محدودة من المساحة الكلية لفلسطين.

الفارق الجوهري هو بين «شراء أرض داخل فلسطين» و«امتلاك فلسطين». الأول حدث بالفعل على نطاق محدود، أما الثاني فلا تثبته سجلات الملكية السابقة لعام 1948.

ملكية الأرض في العهد العثماني ونظام المشاع

لفهم القضية يجب أولًا التخلص من تصور حديث يفترض أن كل قطعة أرض في القرن التاسع عشر كانت مسجلة باسم شخص يحمل سند ملكية كالذي نعرفه اليوم.

كان النظام العثماني أكثر تعقيدًا، وقسّم الأراضي إلى تصنيفات قانونية مختلفة، من بينها الملك والميري والوقف والمتروكة والموات. ولم تكن حقوق الاستخدام والزراعة والتوارث تتطابق دائمًا مع مفهوم الملكية الخاصة الحديثة.

وكان نظام المشاع هو السائد في الريف الفلسطيني؛ إذ تشير بعض الدراسات إلى أنه شمل نحو 70% من الأراضي الزراعية حتى بداية الانتداب. وفي هذا النظام كانت أراضي القرية تُوزَّع دوريًا بالقرعة بين عائلاتها، فتنتقل الحصص من أسرة إلى أخرى، دون بيع أو شراء أو سندات فردية. وكانت حيازة الفلاح محمية بالعرف وبشهادة أهل قريته ما دام يزرع الأرض ويؤدي ضرائبها.

لذلك فإن عدم وجود سند فردي باسم فلاح معين لا يعني أن الأرض كانت «فارغة» أو غير مستخدمة أو بلا حقوق قائمة.

قانون الأراضي العثماني سنة 1858 والطابو: إصلاح إداري تحول إلى مشكلة معقدة

أصدر العثمانيون قانون الأراضي سنة 1858، وأتبعوه بنظام الطابو سنة 1859، ضمن مشروع أوسع لإعادة تنظيم الإدارة والضرائب، وأوجبا تسجيل الأرض باسم مستعملها. ولم يكن القانون متعلقًا بالصهيونية التي لم تكن قد ظهرت بعد بصورتها السياسية المنظمة.

لكن تطبيقه أدى إلى نتائج خطيرة. فقد تجنّب الفلاحون التسجيل على نطاق واسع لثلاثة أسباب رئيسية: الخوف من التجنيد الإجباري، لأن سجلات الطابو كانت تكشف للدولة عدد الرجال في كل قرية؛ والعجز عن دفع رسوم التسجيل والضرائب المترتبة عليه؛ وانعدام الثقة بالدولة وإجراءاتها.

وكانت النتيجة أن سُجّلت مساحات واسعة بأسماء وجهاء وتجار ومرابين وعائلات كبيرة من المدن، بل ومن خارج فلسطين، بينما ظل الفلاحون يزرعونها جيلًا بعد جيل. كما خسر كثير من صغار الملاك أراضيهم لصالح المرابين بعد أن أثقلتهم الديون، وظلوا يعملون فيها أجراء.

وهكذا نشأت فجوة خطيرة بين الاسم الموجود في سجل الملكية وبين الناس الذين عاشوا على الأرض واعتمدت معيشتهم عليها، وهي الفجوة التي ستستغلها المؤسسات الصهيونية لاحقًا.

متى أصبح بإمكان الأجانب امتلاك الأراضي في الدولة العثمانية؟

يتكرر أن السماح للأجانب بالتملك صدر سنة 1869، والأدق أن التشريع العثماني الذي منح الأجانب حق تملك العقارات صدر سنة 1867، مع خضوع المالك الأجنبي للقوانين والضرائب العثمانية الخاصة بالعقار.

وقبل ذلك كانت أولى محاولات التملك اليهودي قد بدأت بتدخل بريطاني؛ فالثري البريطاني موسى مونتيفيوري، الذي زار فلسطين أول مرة سنة 1827، حصل بدعم من بلاده على إذن عثماني بشراء أرض خارج سور القدس، أقام عليها لاحقًا أول حي يهودي خارج البلدة القديمة.

ومع ظهور الحركة الصهيونية المنظمة في أواخر القرن التاسع عشر أصبح الحصول على الأرض محورًا أساسيًا لمشروعها. ولم تكن السلطات العثمانية غافلة عن ذلك؛ ففي سنة 1881 ثم سنة 1892 فرضت قيودًا على تملك اليهود الأجانب للأرض وعلى هجرتهم إلى متصرفية القدس، وإن كان تطبيق هذه القيود متفاوتًا وجرى الالتفاف عليها كثيرًا عبر الرشوة والقناصل الأوروبيين والوسطاء.

ورغم ذلك كله، لم تتجاوز الملكية اليهودية عند نهاية الحكم العثماني نحو 1% إلى 2% من مساحة فلسطين، بحسب التقديرات المختلفة.

هل حدثت مبيعات فعلًا؟ ومن باع؟

من الخطأ التاريخي القول إنه لم تُبع أي أرض على الإطلاق. فهناك عقود وصفقات موثقة بدأت منذ العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر واستمرت خلال الانتداب البريطاني، تولتها مؤسسات صهيونية متخصصة، أبرزها الصندوق القومي اليهودي (كيرن كاييمت)، وصندوق التأسيس (كيرن هيسود)، وشركة تطوير أراضي فلسطين.

لكن السؤال الحقيقي هو: من أين جاءت هذه الأراضي؟ تشير دراسات اعتمدت على سجلات تلك المرحلة إلى أن ما اشتراه اليهود مباشرة من الفلاحين الفلسطينيين، وغالبًا تحت ضغط الديون والمرابين، لم يتجاوز نحو 9.4% من مجمل ما امتلكوه. أما النسبة الباقية، أي نحو 90.6%، فجاءت من:

  • كبار الملاك والملاك الغائبين، ومعظمهم من عائلات لبنانية وسورية تقيم خارج فلسطين.
  • أراضي الدولة التي منحتها أو أجّرتها حكومة الانتداب البريطاني للمؤسسات الصهيونية.
  • أراضي الكنائس والشركات الأجنبية.
  • عدد من الملاك والوجهاء الفلسطينيين، ازدادت حصتهم في الثلاثينيات، وواجهوا إدانة ومقاطعة شديدة من مجتمعهم.

فالسؤال إذن ليس إن كانت المبيعات وقعت، بل ما حجمها بالنسبة إلى فلسطين كلها، ومن قام بها، وما علاقتها بما حدث سنة 1948.

العائلات غير الفلسطينية التي باعت الأرض

بعد قانون الطابو وقانون تملك الأجانب، تمكنت عائلات ثرية من بيروت ودمشق من شراء مساحات شاسعة من أراضي فلسطين في مزادات الدولة أو من الفلاحين المدينين، دون أن تقيم فيها. وتقدّر بعض الدراسات ما امتلكته العائلات اللبنانية بنحو نصف مليون دونم، والعائلات الشامية بنحو 57 ألف دونم.

وهذه بعض أبرز العائلات والأفراد من غير الفلسطينيين الذين باعوا أراضي للمؤسسات الصهيونية، بحسب ما جمعه موقع «ميدان» التابع للجزيرة نت:

جنسيات أخرى
سوريون
لبنانيون
بعض بائعي الأراضي من غير الفلسطينيين
العائلة أو الشخصالجنسيةالمساحة بالدونمموقع البيع
ورثة سليم رمضانلبنانية3,000لواء طبريا، حطين
ورثة جمال وملكيلبنانية2,500تمرين
الأمير شهابلبنانية1,100الخالصة
شهابلبنانية1,300النعيمة
الأب شكر اللهلبنانية900قديتا
الأب شكر اللهلبنانية700يردا
آل سرسقلبنانية240,000لواء الناصرة، مرج ابن عامر
نجيب سرسقلبنانية26,500تل الضرو وجالود
أحمد الأسعدلبنانية2,000المنارة والعديسة
زعربلبنانية5,000الحانوتة
آل الطيانلبنانية21,500لواء طولكرم، وادي الحوارث
آل سلاملبنانية41,500منطقة امتياز الحولة
فرنسيسلبنانية3,000لواء صفد، دفنة
العوينيلبنانية2,500لواء عكا، تهاديا
فرحةلبنانية1,400الزاوية
الدبكي وشمسلبنانية1,600الدوارة
قرويون من ديشوملبنانية1,200جبل ميماس
قرويون من قطيطلبنانية1,100خوارة
قرويون من شبعالبنانية4,500سمخ
غليمة وجبارةلبنانية1,500خان الدوير
الزرةلبنانية4,000الزوق التحتاني
فرحات والبزةلبنانية2,500المالكية
الماردينيلبنانية وسورية9,000قدس
المجموع378,300
ورثة الأمير عبد القادر الجزائريسورية34,000كفر سبت والشجرة
ورثة الأمير عبد القادر الجزائريسورية2,000قراد الخيط والبكارة والشنامة
آل القبانيسورية10,550وادي القباني
الأميران فاعور وشامانسورية800الصالحية
آل الفضلسورية6,200البرجيات
زعل سلومسورية6,500خربة السمان
بوسوسورية4,000خيام الوليد
آل المكاويسورية6,600الخفاص
المجموع70,650
الكونت شديدمصرية8,000سمخ
بهائي فارسيإيرانية8,000النقب
المجموع16,000
المجموع الكلي464,950

المصدر: ميدان – الجزيرة نت. المجاميع أعيد حسابها من أرقام الصفوف.

ويبلغ مجموع ما يرصده هذا الجدول وحده نحو 465 ألف دونم باعتها عائلات وأفراد من خارج فلسطين، أي ما بين ربع وثلث مجمل الأراضي التي امتلكها اليهود حتى سنة 1948.

آل سرسق ومرج ابن عامر: المثال الأوضح

تبقى عائلة سرسق البيروتية صاحبة الدور الأكبر في انتقال الأرض. فقد امتلكت أجزاء واسعة من مرج ابن عامر، أخصب سهول فلسطين، وباعتها للمؤسسات الصهيونية خلال العقود الأولى من القرن العشرين، وخاصة في عشرينياته. ويقدّر المؤرخ الفلسطيني إميل الغوري مجمل ما باعته العائلة في فلسطين بنحو 400 ألف دونم.

كان المالك القانوني يعيش في بيروت، بينما يعيش الفلاحون على الأرض ويزرعونها منذ أجيال. وكانت المؤسسات الصهيونية تشترط على البائع تسليم الأرض خالية من سكانها. وبحسب الدراسات التي تناولت تلك الصفقات، أدى بيع نحو ربع مليون دونم من أراضي المرج إلى تهجير سكان ما بين 20 و25 قرية، يقارب عدد أسرها 2,546 أسرة، أي نحو 15 ألف إنسان.

وتشير لجنة شو البريطانية التي حققت في ثورة البراق سنة 1929 إلى حدوث مبيعات واسعة بين 1921 و1929 أعقبها إخراج أعداد من العرب من أراضٍ كانوا يشغلونها، مع تلقي بعضهم تعويضًا ماليًا زهيدًا.

هذه الصورة وحدها تكشف لماذا لا تكفي عبارة «العرب باعوا الأرض»؛ فالذي وقّع عقد البيع لم يكن الفلاح الذي عاش على الأرض، بل كان في الغالب مالكًا غائبًا لم يرها إلا في السجلات.

الفلاح بين الملكية القانونية وحق الاستخدام

يجب التمييز بين «المالك المسجل» و«المزارع المقيم». ففي المجتمع الفلسطيني قبل 1948 اعتمدت أعداد كبيرة من السكان على الزراعة والرعي، وكانت العلاقة بالأرض في مناطق الملكيات الكبرى قائمة على الاستئجار أو حقوق الاستخدام التقليدية، لا على الملكية الفردية الحديثة.

وفي ظل الملاك العرب كان الفلاح يبقى في الأرض مزارعًا أو مستأجرًا حتى لو تغيّر مالكها. أما مع انتقالها إلى المؤسسات الصهيونية فكان يُطرد منها، لأن هذه المؤسسات تبنّت سياسة «العمل العبري» التي ترفض تشغيل العرب في المستوطنات. وقد عبّر عن هذا التوجه مبكرًا مناحيم أوسيشكين، أحد أبرز منظّري الاستيطان، حين ربط تحقيق الهدف الصهيوني بشراء الأرض ثم إسكان اليهود فيها بدل العمال العرب.

ولم تكن هذه القضية مجرد ادعاء فلسطيني؛ فقد ناقشتها لجان الانتداب البريطاني نفسه، وصدرت تشريعات لحماية المزارعين المستأجرين، ثم فرضت بريطانيا قيودًا على انتقال الأرض بعد تزايد المخاوف من ظهور طبقة من الفلاحين العرب بلا أرض.

الانتداب البريطاني: من وعد بلفور إلى قوانين نقل الأرض

في 2 تشرين الثاني/نوفمبر 1917 أرسل وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور رسالة إلى اللورد روتشيلد، أعلن فيها تأييد حكومته إقامة «وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين»، مع النص على عدم الإضرار بالحقوق المدنية والدينية «للطوائف غير اليهودية» فيها، وهي التي كانت تشكل أكثر من 90% من السكان. ثم أُدرج هذا الالتزام ضمن صك الانتداب على فلسطين.

صورة رسالة وعد بلفور الأصلية بتاريخ 2 تشرين الثاني نوفمبر 1917
النص الأصلي لوعد بلفور، 2 تشرين الثاني/نوفمبر 1917.

قوانين صُممت لنقل الأرض

لم يقتصر دور بريطانيا على الوعد السياسي. فقد أصدر هربرت صموئيل، أول مندوب سامٍ بريطاني على فلسطين، وهو سياسي يهودي مؤيد للصهيونية، خلال أقل من عام سلسلة من القوانين ألغت القيود العثمانية على تملك اليهود. ومن أبرز ما صدر في عهد الانتداب:

  • قانون انتقال الأراضي (1920): سمح برهن الأراضي للمصارف وانتقالها للشركات، وتبعه اعتراف رسمي بالصندوق القومي اليهودي مؤسسةً ذات منفعة عامة يحق لها شراء الأراضي.
  • قانون الأراضي المحلولة (1920): أعاد للدولة الأراضي التي انقطع ورثتها أو لم تُزرع ثلاث سنوات، حتى لو كانت تحت وضع اليد.
  • قانون الأراضي الموات (1921): حرم من يزرع أرضًا مواتًا دون إذن الإدارة من أي حق فيها.
  • قانون نزع الملكية (1926): منح الحكومة حق نزع ملكية الأراضي بحجة «المنفعة العامة».
  • قانون تسوية حقوق ملكية الأراضي (1928): بدأت التسوية بموجبه في السهول الساحلية والشمالية، وهي المناطق التي تتركز فيها المشتريات اليهودية.
  • قانون استملاك الأراضي للغايات العامة (1943): وسّع صلاحيات المندوب السامي في استملاك أي أرض.

وبفعل هذه القوانين تراجعت أراضي المشاع، التي كانت أكبر عائق أمام التملك الصهيوني، من نحو 70% سنة 1918 إلى نحو 40% سنة 1940.

امتيازات أراضي الدولة

كما منحت حكومة الانتداب امتيازات استعمال أراضي الدولة بشكل غير متكافئ إطلاقًا. فبحلول سنة 1943 كانت الامتيازات الطويلة الأمد الممنوحة لليهود تتجاوز 175 ألف دونم، مقابل نحو 1,222 دونمًا فقط للعرب، بينما حصل العرب على معظم حصتهم بامتيازات قصيرة لا تتجاوز ثلاث سنوات. ومن أشهر هذه الامتيازات امتياز البحر الميت وامتياز كهرباء فلسطين.

امتيازات استعمال الأرض لليهود والعرب في عامي 1937 و1943
مدة الامتياز وجهتهالمساحة بالدونم 1937المساحة بالدونم 1943
امتياز لليهود لفترة طويلة95,000175,088
امتياز لليهود لمدة 3 سنوات–2,422
مجموع امتيازات اليهود95,000177,510
امتياز للعرب لفترة طويلة–1,222
امتياز للعرب لمدة 3 سنوات25,00026,522
مجموع امتيازات العرب25,00027,744

المصدر: ميدان – الجزيرة نت. المجاميع أعيد حسابها من أرقام الصفوف.

تحوّل متأخر في السياسة البريطانية

تغيرت السياسة البريطانية جزئيًا تحت ضغط الثورات الفلسطينية. ففي شباط/فبراير 1940 أصدرت بريطانيا أنظمة انتقال الأراضي (Land Transfers Regulations) التي قسمت فلسطين إلى ثلاث مناطق، وحظرت أو قيّدت بشدة انتقال الأراضي من العرب إلى اليهود في معظمها، بهدف معلن هو حماية صغار المزارعين العرب. لكن هذا التحول جاء بعد أن كانت المؤسسات الصهيونية قد رسّخت وجودها في السهول الخصبة.

المقاومة الفلسطينية لانتقال الأرض

لم يكن الفلسطينيون متفرجين على انتقال أرضهم. فمنذ أواخر العهد العثماني ظهرت صحافة فلسطينية تحذر من الاستيطان، ومن أبرزها جريدة «الكرمل» التي أسسها نجيب نصار في حيفا سنة 1908، وجريدة «فلسطين» التي أسسها عيسى العيسى ويوسف العيسى في يافا سنة 1911. وألّف نجيب نصار سنة 1911 واحدًا من أوائل الكتب العربية عن الصهيونية وأهدافها.

وعلى الأرض، قاوم فلاحو الفولة في مرج ابن عامر انتقال أراضيهم بعد بيعها من آل سرسق نحو 1910 و1911، ورفض قائمقام الناصرة آنذاك شكري العسلي تسهيل تسليمها، وأثارت القضية جدلًا واسعًا في الصحافة العربية والبرلمان العثماني.

وخلال الانتداب ظهرت حملات لمقاطعة السماسرة وفضحهم، وفي كانون الثاني/يناير 1935 أصدر مؤتمر علماء فلسطين في القدس فتوى تحرّم بيع الأراضي للصهاينة والتوسط فيه، وتعدّ ذلك خيانة للدين والوطن. وتحوّلت قضيتا الهجرة والأرض إلى محور الحركة الوطنية الفلسطينية، وانفجرتا في ثورات متتالية، أبرزها ثورة البراق سنة 1929 والثورة الكبرى سنة 1936.

ثورة البراق 1929

في آب/أغسطس 1929 انفجرت ثورة البراق بعد تصاعد التوتر حول حائط البراق، الجدار الغربي للمسجد الأقصى، إثر محاولات حركات صهيونية تغيير الوضع القائم فيه وتنظيمها مسيرة استفزازية إليه في 15 آب/أغسطس. وسرعان ما امتدت المواجهات من القدس إلى الخليل وصفد ويافا وغيرها، وسقط فيها مئات القتلى والجرحى من العرب واليهود، وقُتل كثير من الشهداء العرب برصاص القوات البريطانية.

اجتماع احتجاجي عربي في قاعة روضة المعارف في القدس عقب ثورة البراق سنة 1929
اجتماع احتجاجي عربي في قاعة روضة المعارف بالقدس عقب أحداث 1929. المصدر: مجموعة ماتسون، مكتبة الكونغرس (ملكية عامة).

وردّت سلطات الانتداب بحملة اعتقالات ومحاكمات، وفي 17 حزيران/يونيو 1930 أعدمت في سجن عكا ثلاثة من الثوار: فؤاد حجازي ومحمد جمجوم وعطا الزير، في اليوم الذي صار يُعرف فلسطينيًا بـ«الثلاثاء الحمراء».

والأهم في سياق قضية الأرض أن الثورة دفعت بريطانيا إلى التحقيق في أسبابها. فقد خلصت لجنة شو إلى أن انتقال الأرض وطرد الفلاحين والهجرة اليهودية من الأسباب الجوهرية للغضب العربي، ثم أكد تقرير هوب سيمبسون سنة 1930 خطورة مشكلة الفلاحين المعدمين، وصدر الكتاب الأبيض المعروف بكتاب باسفيلد مقترحًا تقييد الهجرة وانتقال الأرض. لكن الضغط الصهيوني أجبر الحكومة البريطانية على التراجع عنه فعليًا برسالة رئيس الوزراء رامزي ماكدونالد سنة 1931، التي سمّاها الفلسطينيون «الكتاب الأسود».

الثورة الفلسطينية الكبرى 1936–1939

في تشرين الثاني/نوفمبر 1935 استشهد الشيخ عز الدين القسام مع عدد من رفاقه في أحراش يعبد قرب جنين بعد اشتباك مع القوات البريطانية، فتحوّل استشهاده إلى شرارة ألهبت البلاد. وفي نيسان/أبريل 1936 بدأت الثورة الفلسطينية الكبرى بالإضراب العام الذي استمر نحو ستة أشهر، وهو من أطول الإضرابات في التاريخ الحديث، وتشكلت اللجنة العربية العليا لقيادة الحركة الوطنية.

أعضاء اللجنة العربية العليا سنة 1936
أعضاء اللجنة العربية العليا سنة 1936، وفي وسط الصف الأمامي الحاج أمين الحسيني. المصدر: مجموعة ماتسون، مكتبة الكونغرس (ملكية عامة).

طالبت الثورة بوقف الهجرة اليهودية، ومنع انتقال الأراضي إلى اليهود، وإقامة حكومة وطنية تمثل أغلبية السكان. وبعد اقتراح لجنة بيل سنة 1937 تقسيم فلسطين لأول مرة، دخلت الثورة مرحلتها المسلحة الثانية، وسيطر الثوار على مناطق واسعة من الريف وبعض المدن.

ثوار وثائرات فلسطينيون خلال الثورة الكبرى 1936–1939
ثوار وثائرات خلال الثورة الكبرى، ويُرجّح أن الصورة التُقطت سنة 1938 قرب طولكرم. المصدر: ويكيميديا كومنز (ملكية عامة).

قمعت بريطانيا الثورة بقسوة شديدة: آلاف الشهداء، وعشرات الآلاف من المعتقلين، ونسف البيوت، والإعدامات، والعقوبات الجماعية على القرى، إلى جانب تسليح الميليشيات الصهيونية وتدريبها. وانتهت الثورة سنة 1939 بعد أن أنهكت المجتمع الفلسطيني وأضعفت قيادته وقدرته العسكرية، قبل أقل من عشر سنوات من النكبة.

وكان من نتائجها السياسية صدور الكتاب الأبيض سنة 1939 الذي قيّد الهجرة، ثم أنظمة انتقال الأراضي سنة 1940. وهذا وحده يكفي للرد على مقولة «البيع»: فالقيود البريطانية على انتقال الأرض لم تأتِ هبةً، بل انتُزعت بدماء الثوار.

إن شعبًا أعلن إضرابًا لستة أشهر وخاض ثورة مسلحة لثلاث سنوات كان من أبرز مطالبها منع انتقال الأرض، لا يمكن وصفه بأنه قرر جماعيًا بيع بلاده.

الأرقام الحاسمة: كم كانت الملكية اليهودية قبل 1948؟

هنا تصبح المناقشة أوضح، لأننا نملك بيانات رسمية من عهد الانتداب البريطاني. فبحسب إحصاءات القرى لسنة 1945 (Village Statistics 1945)، التي استخدمتها الأمم المتحدة لاحقًا، كانت مساحة فلسطين الكلية نحو 26.3 مليون دونم، موزعة تقريبًا على النحو الآتي:

نوع الملكيةالمساحة التقريبيةالنسبة التقريبية
ملكية عربية وغير يهودية أخرى12,574,774 دونمًانحو 47.8%
ملكية يهودية1,491,699 دونمًانحو 5.7%
أراضٍ عامة12,254,032 دونمًانحو 46.5%
المجموع26,320,505 دونمات100%

استمرت المشتريات بعد 1945، ولذلك تظهر لعام 1947 نسب تتراوح بين 6% و7% بحسب السنة المعتمدة وطريقة الحساب. لكن هذا الاختلاف لا يغير الصورة العامة: بعد أكثر من ستة عقود من الشراء، وبدعم كامل من القوة الاستعمارية البريطانية، لم تتجاوز الملكية اليهودية نحو 6% إلى 7% من أرض فلسطين.

أين تركزت الملكية اليهودية؟

تركزت هذه الملكية في السهل الساحلي والشمال، أي في أقضية يافا وحيفا وطبريا وبيسان وصفد والناصرة، وهي المناطق التي باع فيها الملاك الغائبون أراضيهم وبدأت فيها التسوية البريطانية. أما في المناطق الجبلية الفلسطينية، فكانت الملكية اليهودية شبه معدومة: صفر تقريبًا في قضاء رام الله، وأقل من 1% في نابلس وجنين والخليل.

نسب ملكية الأراضي اليهودية حسب الأقضية سنة 1947
القضاءنسبة الملكية اليهودية
رام الله–
نابلس0.09%
جنين0.5%
الخليل0.6%
بئر السبع1.3%
عكا2.2%
القدس3.4%
غزة5.2%
الرملة13.8%
طولكرم18%
الناصرة24.9%
صفد27.7%
بيسان36.8%
يافا42.2%
حيفا42.5%
طبريا44%

المصدر: ميدان – الجزيرة نت.

ماذا عن «الأراضي العامة»؟

قد يقول قائل إن قرابة نصف البلاد كان أرضًا عامة، وبالتالي لم يكن ملكًا للفلسطينيين. وهذا الاستنتاج يحتاج إلى حذر كبير. فجزء كبير من هذه الفئة يقع في قضاء بئر السبع (النقب)، حيث كانت القبائل البدوية تستخدم الأرض وتتوارثها وتزرعها وفق أنظمة عرفية لم تُسجَّل في السجل العقاري الحديث. كما أن أراضي «الميري» لم تكن أرضًا فارغة تتصرف فيها الدولة كما تشاء، بل كانت عليها في الغالب حقوق زراعة وتصرف وتوارث طويلة الأمد.

فالأرض العامة في تصنيف إداري ليست أرضًا بلا أهل، وهي في كل الأحوال لم تكن ملكًا يهوديًا قبل 1948.

حتى الوكالة اليهودية نفسها، في المواد التي قدمتها إلى لجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين سنة 1947، تحدثت عن ملكية يهودية لا تتجاوز نسبة محدودة من مساحة البلاد.

قرار التقسيم: من نحو 6% من الملكية إلى دولة على نحو 56% من فلسطين

في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 181 الذي اقترح تقسيم فلسطين إلى دولة عربية ودولة يهودية، مع نظام دولي خاص للقدس. وخصصت الخطة للدولة اليهودية المقترحة نحو 15.26 مليون دونم، أي قرابة 56.5% من مساحة فلسطين، في حين كان اليهود يشكلون نحو ثلث السكان ويملكون نحو 6% إلى 7% من الأرض.

بل إن الملكية اليهودية داخل حدود الدولة اليهودية المقترحة نفسها، وفق بعض الدراسات، لم تتجاوز نحو 1.38 مليون دونم، مقابل نحو 3.58 مليون دونم ملكية عربية خاصة داخل الحدود ذاتها، فيما كانت بقية المساحة أراضي دولة أو أراضي يستخدمها العرب عرفًا.

وهنا يجب التمييز بين مفهومين:

  • ملكية الأرض: من يملك قطعة الأرض قانونيًا؟
  • السيادة: إلى أي دولة ستنتمي المنطقة سياسيًا؟

لم يكن قرار التقسيم عقد بيع ينقل ملكية الأراضي الخاصة إلى اليهود، بل كان مشروعًا لتقسيم السيادة، منح أقلية مهاجرة حديثًا أكثر من نصف البلاد. ورفضته القيادة الفلسطينية والدول العربية، بينما قبلته قيادة الوكالة اليهودية أساسًا لإقامة الدولة.

1948: احتلال فلسطين والنكبة

هذه هي النقطة التي تضيع غالبًا عندما تُختصر القصة في «بيع الأرض».

بعد قرار التقسيم بدأت العصابات الصهيونية، الهاغاناه والإرغون وشتيرن، هجماتها على المدن والقرى الفلسطينية، وفي آذار/مارس 1948 وُضعت «خطة دالت» للسيطرة على أكبر مساحة ممكنة من فلسطين. وفي 14 أيار/مايو 1948، مع انسحاب بريطانيا، أُعلن قيام إسرائيل، ودخلت جيوش عربية في اليوم التالي. وبحلول اتفاقيات الهدنة سنة 1949 كانت إسرائيل قد احتلت نحو 78% من أرض فلسطين التاريخية.

فلسطينيون يغادرون يافا سنة 1948
فلسطينيون يُهجَّرون من يافا سنة 1948. المصدر: ويكيميديا كومنز.

هذا الاحتلال لم يكن نتيجة شراء الأرض من أصحابها، بل نتيجة القوة العسكرية والتهجير الجماعي. وتشير الأمم المتحدة إلى أن نحو 750 ألف فلسطيني أصبحوا لاجئين خلال النكبة، أي أكثر من نصف الشعب الفلسطيني آنذاك.

ولم يكن هذا التهجير فرارًا عفويًا من مناطق القتال. فقد شمل عمليات طرد مباشرة، كما حدث في اللد والرملة في تموز/يوليو 1948، ومجازر أشهرها مجزرة دير ياسين في 9 نيسان/أبريل 1948 التي نشرت الرعب في القرى المجاورة. وقد وقع جزء كبير من التهجير قبل 15 أيار/مايو، أي قبل دخول الجيوش العربية.

طرد الفلسطينيين من مدينة اللد سنة 1948
طرد سكان اللد في تموز/يوليو 1948. المصدر: ويكيميديا كومنز.

ولم تعد هذه وقائع ترويها الذاكرة الفلسطينية وحدها؛ فقد وثّقها مؤرخون إسرائيليون اطّلعوا على أرشيفات الجيش والدولة، من بينهم بيني موريس وإيلان بابيه، وإن اختلفوا في تفسير دوافعها ومدى تخطيطها المسبق. بل إن دافيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، صرّح في اجتماع للجنة التنفيذية للوكالة اليهودية سنة 1938 بأنه يؤيد «الترحيل القسري» ولا يرى فيه شيئًا غير أخلاقي.

وبعد النكبة مُنع اللاجئون من العودة، ودُمّرت مئات القرى الفلسطينية المهجّرة أو أُفرغت من سكانها؛ إذ وثّق المؤرخ الراحل وليد الخالدي في كتابه «كي لا ننسى» 418 قرية، بينما تذهب إحصاءات سلمان أبو ستة إلى أرقام أعلى.

وهنا يتضح الخلل الحسابي الأساسي في مقولة «بيع فلسطين»: إذا كانت الملكية اليهودية قبيل النكبة تدور حول 6% من مساحة البلاد، بينما أقيمت الدولة الجديدة على نحو 78% منها، فإن الفارق، أي أكثر من 70% من أرض فلسطين، لم يُشترَ، بل احتُل.

ماذا حدث لأراضي اللاجئين بعد النكبة؟

بعد قيام إسرائيل أُنشئت منظومة قانونية للاستيلاء على أملاك الفلسطينيين المهجّرين. ومن أهم هذه القوانين قانون أملاك الغائبين لسنة 1950، الذي وضع مساحات هائلة من الأراضي والبيوت والعقارات الفلسطينية، بل وأملاك الأوقاف الإسلامية، تحت سلطة «حارس أملاك الغائبين»، ثم نُقلت أجزاء واسعة منها إلى «سلطة التطوير» والدولة والصندوق القومي اليهودي.

وهذا فارق قانوني جوهري: الأرض التي انتقلت بعد تهجير مالكها بموجب قوانين الغائبين لا يمكن وصفها بأنها أرض باعها اللاجئ قبل تهجيره. لقد نُقلت ملكيتها بقانون صادر عن الطرف الذي هجّره ومنعه من العودة إليها.

«الحاضرون الغائبون»: أرض صودرت من أصحابها المقيمين

لعل أوضح دليل على أن القضية لم تكن قضية بيع هو مصير الفلسطينيين الذين لم يغادروا البلاد أصلًا.

فقد عرّف قانون أملاك الغائبين «الغائب» تعريفًا واسعًا شمل كل من غادر مكان إقامته المعتاد بعد 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947 إلى منطقة خارج سيطرة الإحتلال الصهيوني، حتى لو كانت قرية مجاورة لجأ إليها أيامًا خلال القتال. وهكذا وجد عشرات الآلاف من الفلسطينيين أنفسهم مواطنين لدى الإحتلال الصهيوني، يعيشون على بعد كيلومترات من قراهم الأصلية، لكنهم مصنفون «غائبين» قانونيًا ومحرومون من أراضيهم وبيوتهم. وقد عُرفوا بـ«الحاضرين الغائبين»، ولا تزال قضية قريتي إقرث وكفر برعم شاهدًا عليها.

ثم جاء قانون استملاك الأراضي لسنة 1953 الذي أضفى الشرعية بأثر رجعي على مصادرة مساحات واسعة من أراضي العرب، بما فيها أراضٍ يملكها مواطنون مقيمون.

واستمرت المصادرات في العقود اللاحقة، حتى انفجرت في 30 آذار/مارس 1976 إضرابًا ومواجهات واسعة ضد مصادرة أراضٍ في الجليل، في سخنين وعرابة ودير حنا وغيرها، سقط فيها ستة شهداء. ومنذ ذلك اليوم يُحيي الفلسطينيون في كل مكان «يوم الأرض».

هؤلاء لم يبيعوا أرضهم ولم يغادروا وطنهم، ومع ذلك فقدوها. وهذا وحده يكفي لإظهار أن انتقال الأرض لم يكن صفقة عقارية بل سياسة استيلاء.

حق العودة والقرار 194

لا تقتصر أهمية هذه القضية على التاريخ؛ فلها أساس قانوني دولي قائم حتى اليوم.

ففي 11 كانون الأول/ديسمبر 1948 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 194، الذي نصّت فقرته الحادية عشرة على وجوب السماح للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم بأن يعودوا في أقرب وقت ممكن، وعلى دفع تعويضات عن ممتلكات من لا يرغب في العودة وعن كل ما فُقد أو تضرر منها. وأعادت الجمعية العامة تأكيد هذا القرار مرات كثيرة منذ ذلك الحين.

وأنشأ القرار نفسه لجنة التوفيق الدولية الخاصة بفلسطين، التي أعدّت خلال الخمسينيات والستينيات سجلات تفصيلية لأملاك اللاجئين الفردية استنادًا إلى سجلات الانتداب. وهذه السجلات دليل إضافي على أن تلك الأملاك كانت مسجلة بأسماء أصحابها الفلسطينيين، لا أنها بيعت.

ومن هنا يتضح أن عبارة «باعوا أرضهم» لا تخطئ في قراءة التاريخ فحسب، بل تُستخدم عمليًا لنزع الشرعية عن حق قانوني معترف به دوليًا.

ماذا عن الاعتراضات الشائعة؟

«وجهاء فلسطينيون، وبعضهم من قادة الحركة الوطنية، باعوا أو توسطوا في البيع»

هذا صحيح جزئيًا، وقد وثّقه الباحث الأمريكي كينيث شتاين في كتابه «مسألة الأرض في فلسطين 1917–1939». والكتابة التاريخية الأمينة لا تحتاج إلى إنكاره، فقد كانت لهذه المبيعات آثار محلية حقيقية، وواجه أصحابها والسماسرة إدانة ومقاطعة شديدة داخل المجتمع الفلسطيني، بل استهدفهم الثوار خلال ثورة 1936.

لكن هذه الوقائع لا تغير الحساب الأساسي: كل المبيعات مجتمعة، من كل البائعين، فلسطينيين وغير فلسطينيين، لم تتجاوز نحو 6% إلى 7% من مساحة البلاد. وحتى لو ثبت أن مئات أو آلاف الملاك باعوا، فإن ذلك لا يثبت أن 750 ألف لاجئ فقدوا بيوتهم سنة 1948 كانوا قد باعوها.

«العرب رفضوا التقسيم ودخلت جيوشهم الحرب، فهم يتحملون النتائج»

أيًّا كان الموقف من رفض التقسيم، فإن ذلك لا يحوّل الطرد إلى بيع، ولا المصادرة إلى عقد. فالقانون الدولي لا يجيز حرمان المدنيين من أملاكهم ومنعهم من العودة إليها، وهذا بالتحديد ما أكده القرار 194. كما أن جزءًا كبيرًا من التهجير، بما فيه تهجير حيفا ويافا ومجزرة دير ياسين، وقع قبل 15 أيار/مايو 1948، أي قبل دخول الجيوش العربية.

«معظم الأرض كانت حكومية وليست فلسطينية»

سبقت مناقشة هذه النقطة في قسم الأرقام: الأرض العامة في التصنيف الإداري لم تكن خالية من الناس أو من حقوق الاستخدام، والكثير منها كان أراضي رعي وزراعة بدوية في النقب. وفي كل الأحوال، لم تكن هذه الأراضي ملكًا يهوديًا اشتُري قبل النكبة.

لماذا بقيت عبارة «الفلسطينيون باعوا أرضهم» منتشرة؟

لأنها تحوّل تاريخًا شديد التعقيد إلى قصة سهلة في جملة واحدة. فقضية فلسطين شملت الاستعمار البريطاني والمشروع الصهيوني والهجرة وقوانين نقل الأرض والثورات والاحتلال والتهجير والسياسة الدولية، أما جملة «باعوا أرضهم» فتزيل كل هذه المراحل، وتحوّل احتلالًا وتهجيرًا إلى صفقة عقارية، وتخلط بين سلوك أفراد، كثير منهم ليسوا فلسطينيين أصلًا، وموقف شعب بأكمله.

والأخطر أنها تؤدي وظيفة سياسية: إذا كانت الأرض قد بيعت، فلا حق للاجئين فيها. ولذلك فإن تفنيدها ليس ترفًا تاريخيًا، بل جزء من الدفاع عن حق قائم.

الخلاصة: هل باع الفلسطينيون فلسطين؟

نعم، حدثت عمليات بيع أراضٍ للمؤسسات الصهيونية قبل 1948، لكن الحصة الأكبر منها جاءت من ملاك غائبين غير فلسطينيين، كآل سرسق وسلام والطيان من لبنان والقباني وورثة الأمير عبد القادر الجزائري من سوريا، ومن أراضٍ حكومية منحتها سلطات الانتداب البريطاني.

وتُظهر سجلات الانتداب البريطاني والأمم المتحدة أن اليهود امتلكوا قبيل النكبة نحو 6% إلى 7% فقط من أرض فلسطين، رغم أكثر من ستة عقود من الشراء والدعم البريطاني.

أما التحول الأكبر فحدث سنة 1948، عندما احتلت العصابات الصهيونية ثم دولة الإحتلال الصهيوني نحو 78% من أرض فلسطين، وهجّرت نحو 750 ألف فلسطيني، ودمّرت مئات القرى. ثم نُقلت أملاك اللاجئين، بل وأملاك فلسطينيين بقوا في البلاد، بقوانين الغائبين والاستملاك، لا بعقود بيع.

وفي المقابل، قاوم الفلسطينيون انتقال أرضهم بالصحافة والفتاوى والمقاطعة، ثم بثورة البراق والثورة الكبرى التي دفعوا فيها آلاف الشهداء.

والصياغة التاريخية الأدق ليست أن «أحدًا لم يبع أي أرض»، ولا أن «الفلسطينيين باعوا فلسطين»، بل إن مبيعات محدودة حدثت بالفعل، معظمها من ملاك غائبين، ضمن صراع متصاعد على الأرض قاومه الفلسطينيون، لكنها لا تفسر احتلال معظم فلسطين سنة 1948، ولا تُسقط حق أصحاب الأرض المهجّرين في العودة إليها.

مصادر ومراجع

وثائق رسمية

مقالات

كتب ودراسات

مصادر الجداول والصور

  • جداول البائعين والامتيازات والملكية حسب الأقضية: ميدان – الجزيرة نت، مع إعادة حساب المجاميع.
  • صورة وعد بلفور: النص الأصلي للرسالة، 1917.
  • صور ثورة البراق والثورة الكبرى: مجموعة ماتسون في مكتبة الكونغرس، وويكيميديا كومنز (ملكية عامة).
  • صور النكبة: ويكيميديا كومنز.

اقرأ أيضًا

افتح المقال على شكل PDF

اقرأ أيضاً من الأرشيف

شارك هذا المقال

تحميل تطبيق فلسطيننا الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.

أضف تعليقك

الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.