الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة 2008–2009: عملية الرصاص المصبوب ومعركة الفرقان
الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة 2008–2009: عملية الرصاص المصبوب ومعركة الفرقان
في صباح 27 كانون الأول/ديسمبر 2008، شنّت قوات الاحتلال الإسرائيلي هجومًا عسكريًا واسعًا على قطاع غزة أطلقت عليه إسرائيل اسم «عملية الرصاص المصبوب»، بينما أطلقت حركة حماس وكتائب عز الدين القسام على المواجهة اسم «معركة الفرقان».
استمرت العمليات العسكرية الرئيسية 23 يومًا، من 27 كانون الأول/ديسمبر 2008 حتى 18 كانون الثاني/يناير 2009، وبدأت بحملة جوية مكثفة، ثم تحولت في 3 كانون الثاني/يناير إلى اجتياح بري واسع مدعوم بالدبابات والمدفعية والطيران والقصف البحري.
وخلف الهجوم أكثر من ألف وثلاثمئة شهيد فلسطيني وفق إحصاءات الأمم المتحدة، بينما أعطت مصادر فلسطينية وأممية أخرى حصيلة تتجاوز 1,400 شهيد، إضافة إلى أكثر من خمسة آلاف جريح ودمار واسع في المنازل والمدارس والمنشآت الصحية والاقتصادية والبنية التحتية للقطاع.
وجاءت الحرب في قطاع كان يعيش أصلًا تحت حصار مشدد منذ عام 2007، الأمر الذي جعل السكان والمنشآت الصحية والخدمات الأساسية يدخلون الحرب وهم يعانون مسبقًا من نقص الوقود والدواء ومواد البناء والسلع الأساسية.
من الانسحاب الإسرائيلي إلى الحصار
بعد انسحاب المستوطنات والقوات العسكرية الإسرائيلية الدائمة من داخل قطاع غزة عام 2005، بقيت إسرائيل تسيطر على جوانب رئيسية من حركة الأشخاص والبضائع والمجال الجوي والمياه المحيطة بالقطاع.
بعد ذلك شددت إسرائيل القيود على القطاع وفرضت حصارًا واسعًا على حركة الأشخاص والبضائع، بينما استمرت المواجهات العسكرية وإطلاق الصواريخ الفلسطينية والغارات والاغتيالات الإسرائيلية.
ووصفت الأمم المتحدة الحصار وآثاره على السكان المدنيين بأنه شكل من أشكال العقاب الجماعي، وأشارت إلى أنه أضعف بصورة شديدة الاقتصاد والخدمات الصحية والمياه والتعليم قبل اندلاع حرب 2008–2009.
تهدئة حزيران/يونيو 2008
في 19 حزيران/يونيو 2008، دخلت تهدئة بوساطة مصرية حيز التنفيذ بين دولة الإحتلال الإسرائيلي وحركة حماس والفصائل الفلسطينية في قطاع غزة.
وأدت التهدئة إلى انخفاض كبير في مستوى المواجهات وإطلاق الصواريخ خلال الأشهر التالية، إذ تشير بيانات الأمم المتحدة إلى انخفاض عدد الصواريخ وقذائف الهاون بصورة حادة بين تموز/يوليو وتشرين الأول/أكتوبر.
لكن التهدئة لم تُنهِ الحصار المفروض على القطاع بالشكل الذي كان الفلسطينيون يطالبون به، وظلت المعابر والإمدادات من أبرز نقاط الخلاف بين الطرفين.
4 تشرين الثاني: بداية انهيار التهدئة
في ليلة 4–5 تشرين الثاني/نوفمبر 2008، نفذت قوات الاحتلال الإسرائيلي عملية عسكرية داخل قطاع غزة قالت إن هدفها تدمير نفق تعتقد أنه كان معدًا لأسر جنود إسرائيليين.
وقُتل خلال العملية ستة فلسطينيين وأصيب سبعة آخرون، بينهم مدنيان وفق تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.
وكانت تلك أول عملية إسرائيلية واسعة داخل القطاع منذ بدء تهدئة حزيران/يونيو، وأعقبها استئناف الفصائل الفلسطينية إطلاق الصواريخ وقذائف الهاون بصورة متزايدة.
وخلال الأسابيع التالية انهارت حالة الهدوء تدريجيًا، إلى أن انتهت فترة التهدئة رسميًا في 19 كانون الأول/ديسمبر 2008 وسط تبادل الاتهامات بشأن المسؤولية عن عدم تمديدها.
27 كانون الأول: بداية العدوان
في نحو الساعة 11:30 صباحًا من 27 كانون الأول/ديسمبر 2008، بدأت الطائرات الإسرائيلية حملة جوية مفاجئة ومتزامنة على عشرات المواقع في مختلف أنحاء قطاع غزة.
واستهدفت الضربات مراكز للشرطة والأجهزة الأمنية ومواقع حكومية ومقار تابعة لحركة حماس، إضافة إلى مواقع ومناطق أخرى في القطاع.
وكانت كثافة الضربات في الساعة الأولى غير مسبوقة في قطاع غزة في ذلك الوقت.
وبحلول عصر اليوم التالي، كانت تقارير وزارة الصحة التي نقلتها الأمم المتحدة تشير إلى مقتل نحو 280 فلسطينيًا وإصابة نحو 900، ما جعل الأيام الأولى من الهجوم من أكثر أيام الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي دموية منذ سنوات.
استهداف الشرطة الفلسطينية
كان أفراد الشرطة الفلسطينية من أبرز أهداف الضربة الأولى.
فقد قصفت قوات الاحتلال مقارًا ومراكز تدريب وتجمعات للشرطة، وسقط عدد كبير من أفرادها خلال الدقائق والساعات الأولى للحرب.
وأصبحت مسألة تصنيف أفراد الشرطة الذين قُتلوا لاحقًا موضع خلاف أساسي في إحصاءات الضحايا؛ إذ اعتبرتهم إسرائيل جزءًا من القوة العسكرية لحماس، بينما رأى تقرير بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق أن أفراد الشرطة المدنية لا يمكن اعتبارهم مقاتلين تلقائيًا ما لم تتوافر أدلة على مشاركتهم المباشرة في الأعمال العدائية.
أسبوع من القصف الجوي
استمرت المرحلة الأولى من العملية نحو أسبوع واعتمدت أساسًا على الطيران والقصف المدفعي والبحري.
واستُهدفت خلال هذه المرحلة مبانٍ حكومية ومراكز أمنية ومنازل ومساجد ومنشآت جامعية ومصانع وأنفاق ومواقع قالت إسرائيل إنها تستخدمها الفصائل الفلسطينية.
لكن القصف طال أيضًا مناطق مدنية مكتظة، وبدأ عدد الضحايا المدنيين والنازحين يرتفع بسرعة في ظل طبيعة قطاع غزة شديدة الكثافة السكانية.
3 كانون الثاني: بدء الاجتياح البري
في مساء 3 كانون الثاني/يناير 2009، بدأت قوات الاحتلال الإسرائيلي المرحلة البرية من الحرب ودخلت القطاع من عدة محاور في الشمال والشرق.
وشاركت في العمليات وحدات من ألوية غولاني وغفعاتي والمظليين، إضافة إلى تشكيلات مدرعة، بينما واصل سلاح الجو والطائرات المروحية والمدفعية والبحرية تقديم الإسناد الناري.
وتركزت المعارك في مناطق شمال قطاع غزة وشرق غزة وحي الزيتون وجباليا وبيت لاهيا ومناطق أخرى على أطراف المدن والمخيمات.
المقاومة الفلسطينية خلال الحرب
واصلت فصائل المقاومة الفلسطينية القتال خلال الاجتياح، وفي مقدمتها كتائب عز الدين القسام وسرايا القدس وكتائب شهداء الأقصى والجبهة الشعبية وغيرها من الفصائل.
واستخدمت الفصائل العبوات الناسفة والأسلحة المضادة للدروع والقذائف والأسلحة الخفيفة، وخاضت اشتباكات مع قوات الاحتلال في عدد من محاور التقدم.
كما استمر إطلاق الصواريخ وقذائف الهاون من قطاع غزة باتجاه مواقع وبلدات ومدن داخل إسرائيل (فلسطين المحتلة) طوال فترة الحرب.
ووصلت بعض الصواريخ إلى مناطق أبعد من نطاقها السابق، منها بئر السبع وأسدود ومناطق أخرى، في مؤشر على تطور المدى الصاروخي لدى المقاومة مقارنة بالمراحل السابقة.
ولم يثبت في المصادر الدولية الموثوقة أن المقاومة تمكنت من أسر جندي إسرائيلي خلال العملية، ولذلك لا يصح إدراج هذه الرواية باعتبارها واقعة ثابتة.
قصف مدرسة الفاخورة في جباليا
في 6 كانون الثاني/يناير 2009، قصفت القوات الإسرائيلية منطقة تقع مباشرة خارج مدرسة الفاخورة التابعة للأونروا في مخيم جباليا، حيث كان مئات الفلسطينيين قد لجأوا إلى المدرسة والمنطقة المحيطة بها هربًا من القتال.
وسقطت عدة قذائف في محيط المدرسة وبين المدنيين الموجودين أمامها، ما أدى إلى مقتل عشرات الفلسطينيين وإصابة آخرين.
وتفاوتت التقديرات الأولى لعدد الشهداء بين نحو 30 وأكثر من 40 شخصًا.
وادعت إسرائيل في البداية أن قواتها تعرضت لإطلاق قذائف هاون من المنطقة، بينما أكدت الأونروا أنه لم يتم إطلاق قذائف من داخل المدرسة نفسها، وأنها كانت قد زودت الجيش الإسرائيلي مسبقًا بإحداثيات منشآتها.
استخدام الفسفور الأبيض
وثقت منظمات حقوقية دولية استخدام قوات الاحتلال الإسرائيلي قذائف الفسفور الأبيض خلال الحرب، بما في ذلك إطلاقها فوق مناطق مأهولة بالسكان.
ولا يُعد الفسفور الأبيض سلاحًا محظورًا بصورة مطلقة في القانون الدولي، إذ يمكن استخدامه لأغراض مثل إنشاء ستائر دخانية، لكن استخدامه بطريقة تعرض المدنيين لخطر غير متناسب أو إطلاقه عشوائيًا فوق المناطق المكتظة يمكن أن يشكل انتهاكًا لقوانين الحرب.
وخلصت هيومن رايتس ووتش إلى أن القوات الإسرائيلية استخدمت قذائف الفسفور الأبيض بصورة متكررة وغير قانونية فوق مناطق مدنية مكتظة في غزة.
ومن أبرز الحالات التي وثقتها المنظمة قصف مقر الأونروا في مدينة غزة في 15 كانون الثاني/يناير، حيث تسببت قذائف الفسفور في حرائق دمرت مخازن ومساعدات وأدوية، بينما كان مئات المدنيين يحتمون داخل المجمع.
كما وثقت في 17 كانون الثاني/يناير سقوط الفسفور الأبيض على مدرسة تابعة للأونروا في بيت لاهيا كانت تؤوي نحو 1,600 نازح، ما أدى إلى مقتل طفلين وإصابة عدد من المدنيين.
ماذا عن اليورانيوم المنضب؟
ظهرت بعد الحرب اتهامات باستخدام قوات الاحتلال الإسرائيلي ذخائر تحتوي على اليورانيوم المنضب أو مواد معدنية ثقيلة.
وتلقت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق تقارير وادعاءات تتعلق بهذه الأسلحة، لكنها أوضحت أنها لم تتمكن من إجراء تحقيق كافٍ يسمح لها بتأكيد أو نفي استخدامها بصورة قاطعة.
الهجوم على مقر الأونروا
في 15 كانون الثاني/يناير 2009، تعرض المقر الرئيسي للأونروا في مدينة غزة للقصف بينما كان داخله مئات المدنيين وكميات كبيرة من المساعدات الإنسانية.
وتسببت قذائف تحتوي على الفسفور الأبيض في اندلاع حرائق داخل المجمع ودمرت مخازن تحتوي على مواد غذائية وأدوية ومساعدات.
وقالت الأونروا إن مسؤوليها كانوا على اتصال بالقوات الإسرائيلية أثناء القصف وحذروها من الخطر الذي يهدد المدنيين والمخازن داخل الموقع.
وأصبحت الحادثة واحدة من أبرز الأمثلة التي استندت إليها منظمات حقوق الإنسان في انتقاد طريقة استخدام إسرائيل للفسفور الأبيض في المناطق المدنية.
استهداف أسس الحياة المدنية
لم يقتصر الدمار على المنازل أو المواقع التي كانت تدور حولها المواجهات.
فقد تعرضت منشآت اقتصادية وزراعية ومصانع وآبار مياه وشبكات صرف صحي ومدارس وجامعات ومنشآت صحية لأضرار واسعة.
وتوصلت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق إلى أن عددًا من المنشآت المدنية المهمة تعرض للتدمير من دون أن تجد البعثة مبررًا عسكريًا كافيًا في الحالات التي حققت فيها.
ومن أبرز الأمثلة التي تناولها تقريرها مطحنة البدر للدقيق، التي كانت المطحنة الوحيدة العاملة في قطاع غزة آنذاك، وخلصت البعثة إلى أن تدميرها لم يكن مبررًا بضرورة عسكرية وأنه قد يرقى إلى جريمة حرب.
حجم الدمار
أدى الهجوم إلى تدمير واسع للمساكن والبنية التحتية.
وأشارت تقييمات الأمم المتحدة بعد الحرب إلى تدمير أكثر من 3,400 منزل بصورة كاملة، بينما أظهرت تقديرات فلسطينية أولية تدمير أكثر من أربعة آلاف وحدة سكنية وتضرر آلاف أخرى.
كما تضررت مئات المدارس ورياض الأطفال؛ فقد وثقت الأمم المتحدة تضرر 280 مدرسة وروضة بدرجات مختلفة، بينها 18 منشأة تعليمية دُمرت بالكامل.
وتضررت كذلك مستشفيات ومراكز رعاية أولية ومنشآت صناعية وتجارية ومساجد ومؤسسات حكومية وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي.
قرار مجلس الأمن 1860
مع استمرار الحرب وارتفاع عدد الضحايا، اعتمد مجلس الأمن الدولي في 8 كانون الثاني/يناير 2009 القرار 1860.
ودعا القرار إلى وقف فوري ودائم ومحترم لإطلاق النار يقود إلى الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من قطاع غزة، وإلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية من غذاء ووقود وعلاج، وإعادة فتح المعابر بصورة مستدامة.
وصدر القرار بأغلبية 14 صوتًا من دون معارضة، بينما امتنعت الولايات المتحدة عن التصويت.
لكن القتال استمر عشرة أيام أخرى تقريبًا بعد صدور القرار.
تقرير غولدستون والتحقيق في جرائم الحرب
بعد الحرب، أنشأ مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بعثة دولية لتقصي الحقائق برئاسة القاضي الجنوب أفريقي ريتشارد غولدستون.
ونشرت البعثة تقريرها في أيلول/سبتمبر 2009 بعد التحقيق في عشرات الحوادث ومراجعة آلاف الوثائق والشهادات والصور.
وخلص التقرير إلى وجود أدلة على انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان خلال العمليات الإسرائيلية، وأن بعض الحالات التي حقق فيها قد ترقى إلى جرائم حرب.
كما تناول التقرير إطلاق الفصائل الفلسطينية صواريخ غير موجهة نحو مناطق مدنية إسرائيلية، واعتبر الهجمات العشوائية أو المتعمدة على المدنيين مخالفة للقانون الدولي الإنساني.
الخسائر الفلسطينية
تختلف حصيلة الشهداء وفق الجهة التي جمعت البيانات وطريقة تصنيف المدنيين والمقاتلين.
ووفق قاعدة بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية التي راجعت أسماء الضحايا وقاطعت عدة مصادر، بلغ عدد الشهداء الفلسطينيين 1,383 شهيدًا، بينهم 333 طفلًا و114 امرأة.
أما تقرير بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق فأورد حصيلة بلغت 1,434 فلسطينيًا، بينهم نحو 960 مدنيًا.
وفي التقارير الفلسطينية ووزارة الصحة في غزة ظهرت حصائل تقترب من 1,400–1,440 شهيدًا، ولذلك شاع فلسطينيًا استخدام عبارة «نحو 1,400 شهيد» أو أكثر بحسب المصدر والفترة التي أُجري فيها الإحصاء.
أما عدد الجرحى فقد تجاوز 5,300 فلسطيني وفق الأمم المتحدة، وكان بينهم عدد كبير من الأطفال والنساء، كما عانى بعض المصابين إعاقات طويلة الأمد.
الخسائر الإسرائيلية
فقد وثقت الأمم المتحدة مقتل 13 إسرائيليًا، 10 جنود إسرائيليين قُتلوا خلال العمليات العسكرية، وكان عدد منهم قد قُتل بنيران إسرائيلية صديقة.
18 كانون الثاني: وقف إطلاق النار
في 17 كانون الثاني/يناير 2009، أعلنت حكومة الإحتلال الإسرائيلية وقفًا أحاديًا لإطلاق النار يدخل حيز التنفيذ عند الساعة الثانية من فجر 18 كانون الثاني.
وبقيت قوات الاحتلال في مواقع داخل قطاع غزة في الساعات الأولى بعد وقف إطلاق النار.
وفي وقت لاحق من يوم 18 كانون الثاني/يناير، أعلنت حركة حماس وفصائل فلسطينية أخرى وقفًا من جانبها، وطالبت بانسحاب القوات الإسرائيلية وفتح المعابر وإنهاء القيود المفروضة على القطاع.
وبذلك توقفت المرحلة الرئيسية من الحرب بعد ثلاثة وعشرين يومًا من القصف الجوي والبري والبحري والاجتياح.
21 كانون الثاني: اكتمال الانسحاب العسكري
بدأت قوات الاحتلال الإسرائيلي الانسحاب من المناطق التي دخلتها داخل قطاع غزة بعد وقف إطلاق النار.
وفي ساعات الفجر من 21 كانون الثاني/يناير 2009، أعلنت الأمم المتحدة أن آخر القوات الإسرائيلية غادرت داخل القطاع وأعادت انتشارها على طول حدوده.
وعندما عاد الفلسطينيون إلى المناطق التي كانت مسرحًا للعمليات البرية، ظهرت بصورة أوضح مستويات الدمار الهائلة في أحياء شمال وشرق غزة، وفي مناطق من بيت لاهيا وجباليا والزيتون وغيرها.
الحصار منع إعادة الإعمار
لم تنتهِ الأزمة الإنسانية بانتهاء العمليات العسكرية.
فقد استمر الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، وبقي دخول مواد البناء والإعمار مقيدًا بدرجة شديدة.
وذكرت الأمم المتحدة بعد أشهر من الحرب أن آلاف المنازل والمدارس والمنشآت التي دمرت أو تضررت لم يكن بالإمكان إعادة بنائها بسبب القيود المفروضة على إدخال الإسمنت والحديد ومواد البناء.
وهكذا أصبح الدمار الذي خلفته الحرب جزءًا من أزمة إنسانية أطول، إذ انتهى القصف المباشر بينما بقيت آثاره محاصرة داخل قطاع لا يستطيع إعادة بناء ما دُمر بسهولة.
من الرصاص المصبوب إلى الحروب اللاحقة
مثّلت حرب 2008–2009 تحولًا مهمًا في طبيعة المواجهة بين إسرائيل وقطاع غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي من داخل القطاع عام 2005 وسيطرة حماس عليه عام 2007.
فقد أظهرت الحرب أن انسحاب القوات والمستوطنات من داخل غزة لم ينهِ المواجهة أو السيطرة الإسرائيلية على جوانب أساسية من حياة القطاع، وأن الحصار وإطلاق الصواريخ والغارات والعمليات العسكرية باتت عناصر متكررة في العلاقة الجديدة بين غزة وإسرائيل.
كما أصبحت «الرصاص المصبوب» نموذجًا لحروب لاحقة على القطاع: قصف جوي واسع، عمليات برية بدرجات مختلفة، إطلاق صواريخ فلسطينية، خسائر مدنية كبيرة، ودمار واسع للبنية التحتية، ثم وقف إطلاق نار من دون تسوية سياسية تنهي أسباب الصراع.
اقرأ أيضاً من الأرشيف
تحميل تطبيق فلسطيننا
الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.
أضف تعليقك
الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.