حرب تموز 2006: الحرب الإسرائيلية على لبنان وحزب الله
حرب تموز 2006: الحرب الإسرائيلية على لبنان وحزب الله
في 12 تموز/يوليو 2006، اندلعت حرب استمرت أربعة وثلاثين يومًا بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، تحولت خلال ساعات من مواجهة محدودة على الحدود إلى حملة عسكرية إسرائيلية واسعة شملت القصف الجوي والبحري والبري، والحصار، واستهداف مناطق واسعة من لبنان، بينما رد حزب الله بإطلاق آلاف الصواريخ على شمال إسرائيل ( فلسطين المحتله ) وخاض مواجهات برية عنيفة مع قوات الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان.
وعُرفت الحرب في لبنان والعالم العربي باسم «حرب تموز»، بينما سُميت في إسرائيل لاحقًا «حرب لبنان الثانية». واستمرت العمليات القتالية الرئيسية من 12 تموز حتى دخول وقف الأعمال العدائية حيز التنفيذ صباح 14 آب/أغسطس 2006 استنادًا إلى قرار مجلس الأمن رقم 1701.
من الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 إلى حرب تموز
كانت جذور مواجهة عام 2006 مرتبطة بالوضع الذي تشكّل بعد انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من معظم جنوب لبنان في أيار/مايو 2000، عقب أكثر من عقدين من الاحتلال والمواجهات مع المقاومة اللبنانية.
وأكدت الأمم المتحدة في حزيران/يونيو 2000 أن إسرائيل استوفت متطلبات الانسحاب الواردة في القرارين 425 و426 وفق الخط المعروف باسم الخط الأزرق. لكن لبنان وحزب الله استمرا في اعتبار مزارع شبعا أرضًا لبنانية محتلة، بينما تعاملت الأمم المتحدة معها، في إطار ترسيم الخط الأزرق، باعتبارها خارج الأراضي اللبنانية التي شملها الانسحاب الإسرائيلي.
كما بقي ملف الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية قضية مركزية لدى حزب الله، واستمرت بين الطرفين بعد عام 2000 عمليات محدودة وتبادل لإطلاق النار ومحاولات أسر جنود إسرائيليين على طول الحدود ومزارع شبعا.
وهكذا دخل صيف عام 2006 في ظل هدوء هش على الحدود، لكنه كان يخفي نزاعًا غير محسوم بشأن الأسرى ومزارع شبعا وسلاح حزب الله والوضع الأمني في جنوب لبنان.
12 تموز: أسر جنديين إسرائيليين
في نحو الساعة التاسعة من صباح 12 تموز/يوليو 2006، أطلق حزب الله صواريخ وقذائف باتجاه مواقع إسرائيلية قرب الحدود، وبالتزامن عبر مقاتلوه الخط الأزرق وهاجموا دورية عسكرية إسرائيلية.
أسفر الهجوم عن مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين وأسر جنديين هما إيهود غولدفاسر وإلداد ريغيف، ونُقلا إلى داخل لبنان.
وحاولت قوات الاحتلال الإسرائيلي ملاحقة المجموعة واستعادة الجنديين فورًا، فدخلت قوة إسرائيلية إلى الأراضي اللبنانية، لكن عبوة ناسفة انفجرت تحت دبابة إسرائيلية وقتلت أربعة جنود، ثم قُتل جندي ثامن خلال محاولة استعادة جثث الجنود. وبذلك قُتل ثمانية جنود إسرائيليين خلال أحداث اليوم الأول وأُسر اثنان.
كان الهدف المعلن لحزب الله من أسر الجنديين هو استخدامهما في مفاوضات تبادل تؤدي إلى إطلاق أسرى لبنانيين من السجون الإسرائيلية.
من محاولة استعادة الجنديين إلى حرب واسعة
لم تبقِ إسرائيل ردها محصورًا في المنطقة الحدودية أو في محاولة استعادة الجنديين.
فخلال الساعات التالية بدأت حملة عسكرية واسعة ضد لبنان، نفذتها القوات الجوية والبحرية والبرية الإسرائيلية، واستهدفت مواقع تابعة لحزب الله، إلى جانب شبكة واسعة من الطرق والجسور والمنشآت والبنية التحتية اللبنانية.
وتشير دراسة لمؤسسة الدراسات الفلسطينية إلى أن الاستراتيجية الإسرائيلية في المرحلة الأولى قامت بصورة أساسية على حرب جوية واسعة تستهدف قيادة حزب الله وموارده العسكرية وقدرته على إطلاق الصواريخ، إضافة إلى الضغط على البيئة السياسية والاجتماعية المحيطة به وعلى الحكومة اللبنانية.
الحرب الجوية على لبنان
في ليلة 12–13 تموز/يوليو وسّعت الطائرات الإسرائيلية عملياتها الجوية، واستهدفت مواقع وقيادات ومنشآت مرتبطة بحزب الله في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق أخرى.
لكن القصف لم يقتصر على أهداف عسكرية مرتبطة بالحزب، بل طال شبكة واسعة من البنية التحتية اللبنانية، بما في ذلك طرق وجسور ومطارات ومرافئ ومحطات وقود ومنشآت كهرباء.
وفي 13 تموز/يوليو، قصفت الطائرات الإسرائيلية مدارج مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، ما أدى إلى توقف حركة الطيران، وفرضت إسرائيل حصارًا جويًا وبحريًا على لبنان. كما استهدفت طرقًا رئيسية تربط بيروت بالجنوب وسورية. ووثقت الأمم المتحدة استمرار الغارات الواسعة على البنية التحتية والمطار والطرق والمرافئ خلال الأيام الأولى للحرب.
قصف محطة الجيّة والكارثة النفطية
في 13 و15 تموز/يوليو 2006، قصفت إسرائيل خزانات الوقود في محطة كهرباء الجيّة الواقعة جنوب بيروت.
وأدى القصف إلى تسرب ما بين 12 ألفًا و15 ألف طن من زيت الوقود الثقيل إلى البحر المتوسط، إضافة إلى احتراق كميات كبيرة أخرى من الوقود.
وامتد التلوث على نحو 150 كيلومترًا من الساحل اللبناني ووصل إلى الساحل السوري، في واحدة من أخطر الكوارث البيئية التي شهدها شرق البحر المتوسط.
حزب الله يرد بالصواريخ
رد حزب الله على القصف الإسرائيلي بإطلاق الصواريخ بصورة متزايدة على مواقع عسكرية ومدن وبلدات في شمال إسرائيل.
ووصلت الصواريخ منذ الأيام الأولى إلى مناطق أبعد من البلدات الحدودية، وسقط صاروخ في حيفا في 13 تموز/يوليو، قبل أن تصبح المدينة لاحقًا هدفًا متكررًا خلال الحرب.
ومع استمرار القصف الإسرائيلي على لبنان، توسع مدى وكثافة إطلاق الصواريخ، لتصل إلى حيفا وطبريا والعفولة ومناطق أخرى.
ووفق تقرير للأمم المتحدة، سقط خلال الحرب نحو 3,970 صاروخًا داخل إسرائيل، منها 901 في مناطق حضرية. وأسفرت الهجمات الصاروخية وغيرها من أحداث الحرب عن مقتل عشرات المدنيين الإسرائيليين، وأجبرت أعدادًا كبيرة من سكان الشمال على مغادرة منازلهم أو البقاء في الملاجئ.
استهداف البارجة الإسرائيلية قبالة بيروت
في 14 تموز/يوليو 2006، أعلن حزب الله استهداف بارجة حربية إسرائيلية كانت تعمل قبالة الساحل اللبناني.
وأصيبت السفينة الإسرائيلية «حانيت» بصاروخ مضاد للسفن، في تطور عسكري لافت أظهر امتلاك الحزب قدرات تسليحية لم تكن إسرائيل قد قدّرت حجمها بصورة كاملة قبل الحرب.
وأصبح استهداف السفينة واحدًا من أبرز أحداث الأيام الأولى للحرب، إلى جانب استمرار إطلاق الصواريخ على شمال إسرائيل.
القوة الجوية لا تحسم الحرب
اعتمدت القيادة الإسرائيلية في البداية بصورة كبيرة على القوة الجوية لإضعاف حزب الله وتدمير قدرته الصاروخية وإجباره على القبول بالشروط الإسرائيلية والدولية.
لكن استمرار إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان أظهر أن الحملة الجوية لم تنجح وحدها في وقف القدرة الصاروخية للحزب أو القضاء على بنيته العسكرية.
ومع استمرار الحرب، انتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي تدريجيًا إلى عمليات برية أوسع داخل جنوب لبنان. وتشير مؤسسة الدراسات الفلسطينية إلى أن الانتقال إلى التوغل البري جاء بعد اتضاح محدودية قدرة القوة الجوية وحدها على تحقيق الأهداف العسكرية الإسرائيلية.
مارون الراس وبنت جبيل
شهدت البلدات الحدودية في جنوب لبنان بعضًا من أعنف معارك الحرب، ولا سيما في مارون الراس وبنت جبيل.
حاولت القوات الإسرائيلية السيطرة على مواقع حزب الله وإبعاد مقاتليه عن الحدود، لكنها واجهت مقاومة عنيفة داخل البلدات والتلال المحيطة بها.
وأظهرت المعارك صعوبة تحويل التفوق الجوي والتكنولوجي الإسرائيلي إلى سيطرة سريعة على الأرض، بينما استمر حزب الله في إطلاق الصواريخ باتجاه شمال إسرائيل خلال العمليات البرية.
قانا: المدنيون في قلب الحرب
في 30 تموز/يوليو 2006، قصفت الطائرات الإسرائيلية مبنى سكنيًا في بلدة قانا بجنوب لبنان كان يحتمي داخله مدنيون.
وأُعلنت في الساعات الأولى أرقام مرتفعة للضحايا، لكن التحقيقات اللاحقة التي أجرتها هيومن رايتس ووتش ثبتت مقتل 28 شخصًا، بينهم 16 طفلًا. وأصبح الهجوم، الذي عُرف في لبنان باسم «مجزرة قانا الثانية»، واحدًا من أكثر أحداث الحرب إثارة للغضب والإدانة الدولية.
وطالب الأمين العام للأمم المتحدة ومجلس الأمن بوقف العنف وحماية المدنيين، بينما أعاد قصف قانا الضغط الدولي باتجاه التوصل إلى وقف للأعمال القتالية.
الخسائر البشرية والدمار في لبنان
كان الثمن الأكبر للحرب من حيث الخسائر البشرية والمادية داخل لبنان.
فبحسب الأرقام الرسمية اللبنانية التي نقلتها الأمم المتحدة حتى نهاية آب/أغسطس 2006، قُتل نحو 1,187 شخصًا وأصيب أكثر من 4,000، بينما قُدّر عدد النازحين خلال الحرب بنحو مليون شخص.
كما تعرضت البنية التحتية اللبنانية لدمار واسع. وقدّرت الأمم المتحدة الأضرار المادية بنحو 3.6 مليارات دولار، وشملت تدمير أو تضرر عشرات الجسور ومئات الكيلومترات من الطرق وآلاف المنازل ومصانع ومنشآت كهرباء ومياه ومرافئ.
وخلصت هيومن رايتس ووتش بعد تحقيقات ميدانية واسعة إلى أن الغالبية الكبرى من اللبنانيين الذين قُتلوا كانوا مدنيين، ووثقت حالات متعددة لم تجد فيها هدفًا عسكريًا واضحًا يبرر الضربات الإسرائيلية، معتبرة أن إسرائيل ارتكبت انتهاكات خطيرة لقوانين الحرب في عدد من العمليات.
الخسائر داخل إسرائيل
في الجانب الإسرائيلي، سجل تقرير للأمم المتحدة مقتل 43 مدنيًا و117 جنديًا إسرائيليًا بين 12 تموز و14 آب/أغسطس 2006.
كما أدى إطلاق الصواريخ إلى نزوح نحو 300 ألف شخص من شمال إسرائيل، واضطر أكثر من مليون آخرين إلى قضاء فترات في الملاجئ.
ووثقت منظمات حقوق الإنسان بدورها أن بعض صواريخ حزب الله غير الموجهة سقطت بصورة عشوائية أو استُخدمت ضد مناطق مدنية، واعتبرت أن الهجمات المتعمدة أو العشوائية على المدنيين خالفت القانون الدولي الإنساني.
المعركة البرية ومحاولة الوصول إلى الليطاني
في الأسابيع الأخيرة من الحرب، وسعت إسرائيل عملياتها البرية في جنوب لبنان، ودفعت بقوات إضافية باتجاه عدد من المحاور في محاولة للسيطرة على المنطقة الواقعة حتى نهر الليطاني وتقليص قدرة حزب الله على إطلاق الصواريخ قصيرة المدى.
وشهدت هذه المرحلة معارك عنيفة وخسائر في صفوف الطرفين، ولا سيما حول بنت جبيل ووادي الحجير ومناطق أخرى من جنوب لبنان.
لكن القتال استمر حتى الساعات الأخيرة السابقة لوقف الأعمال العدائية، وبقي حزب الله قادرًا على إطلاق الصواريخ حتى الأيام الأخيرة من الحرب.
خطة الحكومة اللبنانية ذات النقاط السبع
مع استمرار الحرب، طرح رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة خطة من سبع نقاط لتسوية الأزمة.
وتضمنت الخطة معالجة قضية الأسرى اللبنانيين والإسرائيليين، وانسحاب القوات الإسرائيلية خلف الخط الأزرق، وبسط سلطة الدولة اللبنانية على الجنوب بواسطة الجيش اللبناني، وتعزيز قوات الأمم المتحدة «اليونيفيل»، ومعالجة مسألة مزارع شبعا في إطار دولي.
وشكلت عناصر من هذه الخطة أساسًا مهمًا للمفاوضات الدولية التي أدت لاحقًا إلى قرار مجلس الأمن رقم 1701.
قرار مجلس الأمن 1701
في 11 آب/أغسطس 2006، اعتمد مجلس الأمن الدولي بالإجماع القرار 1701.
ودعا القرار إلى وقف كامل للأعمال القتالية، يقوم خصوصًا على وقف حزب الله جميع هجماته ووقف إسرائيل جميع عملياتها العسكرية الهجومية.
كما نص على نشر الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل المعززة في جنوب لبنان بالتوازي مع انسحاب القوات الإسرائيلية، ورفع الحد الأقصى لقوة اليونيفيل إلى 15 ألف جندي.
وتناول القرار كذلك ضرورة عدم وجود قوات مسلحة أو أسلحة في المنطقة الواقعة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني باستثناء قوات الحكومة اللبنانية واليونيفيل، ودعا إلى معالجة القضايا العالقة بما فيها الأسرى ومزارع شبعا.
14 آب: توقف العمليات القتالية
دخل وقف الأعمال العدائية حيز التنفيذ صباح 14 آب/أغسطس 2006، بعد أربعة وثلاثين يومًا من الحرب.
وبدأ الجيش اللبناني الانتشار في جنوب لبنان للمرة الأولى منذ عقود بصورة واسعة، بالتزامن مع تعزيز قوة اليونيفيل وانسحاب القوات الإسرائيلية تدريجيًا إلى ما وراء الخط الأزرق.
وعاد مئات آلاف اللبنانيين خلال أيام إلى القرى والبلدات التي نزحوا منها، رغم الدمار الواسع وانتشار الذخائر غير المنفجرة في مناطق الجنوب.
هل حققت إسرائيل أهداف الحرب؟
كانت استعادة الجنديين الأسيرين وإضعاف حزب الله وإبعاده عن الحدود من أبرز الأهداف الإسرائيلية المعلنة خلال الحرب.
لكن إسرائيل لم تتمكن من استعادة الجنديين بالقوة العسكرية، ولم تتوقف صواريخ حزب الله بصورة كاملة قبل وقف الأعمال القتالية.
وفي المقابل، أدى القرار 1701 إلى تغيير الوضع الأمني في جنوب لبنان، من خلال انتشار الجيش اللبناني وقوة يونيفيل موسعة جنوب نهر الليطاني، وتراجع الوجود العسكري العلني لحزب الله قرب الخط الأزرق مقارنة بما كان عليه قبل الحرب.
ولهذا بقي تقييم النتيجة موضع خلاف: قدّم حزب الله صموده وعدم تمكن إسرائيل من القضاء على قوته أو استعادة الأسيرين باعتباره «نصرًا»، بينما ركزت إسرائيل على إبعاد البنية العسكرية العلنية للحزب عن الحدود وعلى الترتيبات الجديدة التي أقرها القرار 1701.
الجنديان الأسيران بعد الحرب
لم تُحل قضية الجنديين إيهود غولدفاسر وإلداد ريغيف خلال حرب تموز.
وبعد نحو عامين، في 16 تموز/يوليو 2008، سلّم حزب الله جثمانيهما إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر ضمن صفقة تبادل مع إسرائيل أُفرج بموجبها عن أسرى لبنانيين، بينهم سمير القنطار، إضافة إلى إعادة رفات عدد كبير من اللبنانيين والفلسطينيين.
وبذلك انتهى الملف الذي كان أسر الجنديين في 12 تموز/يوليو 2006 الشرارة المباشرة للحرب، من خلال صفقة تبادل بعد أن فشلت العمليات العسكرية الإسرائيلية في استعادتهما.
اقرأ أيضاً من الأرشيف
تحميل تطبيق فلسطيننا
الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.
أضف تعليقك
الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.