الاجتياح الإسرائيلي للبنان
الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982
في 6 حزيران/يونيو 1982، بدأت قوات الاحتلال الإسرائيلي اجتياحًا عسكريًا واسعًا للبنان تحت الاسم الإسرائيلي «عملية سلامة الجليل».
وكان الهدف المعلن للعملية إبعاد القوات الفلسطينية المسلحة مسافة تقارب 40 كيلومترًا شمال الحدود اللبنانية الفلسطينية، بحيث تصبح المواقع الفلسطينية الرئيسية في جنوب لبنان أبعد عن مدى النيران المباشرة على شمال فلسطين المحتلة.
لكن العملية تجاوزت سريعًا هذا الحد المعلن. فتقدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي عبر جنوب لبنان، واشتبكت مع القوات السورية في سهل البقاع، ثم وصلت إلى محيط بيروت وفرضت حصارًا طويلًا على بيروت الغربية، التي كانت في ذلك الوقت المركز السياسي والعسكري والإعلامي الرئيسي لمنظمة التحرير الفلسطينية.
وانتهى الحصار بإجبار قيادة منظمة التحرير وآلاف المقاتلين الفلسطينيين على مغادرة بيروت والتوزع على عدد من الدول العربية.
كما أدى الاجتياح إلى إعادة تشكيل الحرب الأهلية اللبنانية، وتعميق التدخلات الخارجية في لبنان، وإيقاع خسائر بشرية ومادية هائلة بين الفلسطينيين واللبنانيين، وفتح مرحلة جديدة من الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من جنوب لبنان استمرت بأشكال مختلفة حتى سنة 2000.
الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان
أصبح لبنان القاعدة الرئيسية للمقاومة الفلسطينية بعد إخراج الجزء الأكبر من الوجود الفلسطيني المسلح من الأردن خلال أحداث 1970–1971.
ونقلت منظمة التحرير الفلسطينية جزءًا كبيرًا من بنيتها السياسية والعسكرية والإعلامية والثقافية والتنظيمية إلى بيروت، كما توسع الوجود المسلح للفصائل الفلسطينية في مخيمات اللاجئين وفي مناطق من جنوب لبنان.
ومن جنوب لبنان، نفذت تنظيمات فلسطينية عمليات ضد الاحتلال الإسرائيلي، بينما نفذت القوات الإسرائيلية بصورة متكررة غارات جوية وقصفًا مدفعيًا وعمليات اغتيال وتوغلات عسكرية استهدفت مواقع فلسطينية ولبنانية.
وزادت الحرب الأهلية اللبنانية التي بدأت سنة 1975 المشهد تعقيدًا، إذ أصبحت التنظيمات الفلسطينية جزءًا من شبكة تحالفات سياسية وعسكرية لبنانية، وخصوصًا مع قوى مرتبطة بالحركة الوطنية اللبنانية.
وفي الوقت نفسه، حافظت سورية على وجود عسكري واسع في لبنان ضمن التوازنات التي تشكلت خلال الحرب الأهلية.
اجتياح 1978 وبداية واقع عسكري جديد في الجنوب
لم يكن اجتياح سنة 1982 أول عملية عسكرية إسرائيلية واسعة داخل لبنان. ففي آذار/مارس 1978، شنت القوات الإسرائيلية عملية الليطاني واحتلت مساحات واسعة من جنوب لبنان.
ورد مجلس الأمن الدولي بإصدار القرارين 425 و426، اللذين طالبا بانسحاب القوات الإسرائيلية وأنشآ قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان – اليونيفيل (UNIFIL).
وانسحبت القوات الإسرائيلية لاحقًا من معظم المناطق التي دخلتها، لكنها أبقت علاقة عسكرية وثيقة مع القوات المحلية بقيادة الرائد سعد حداد، التي سيطرت على جيب حدودي في جنوب لبنان.
ولم يكن هذا الجيب مطابقًا بعد لما عُرف رسميًا في منتصف الثمانينيات باسم «المنطقة الأمنية»، لكنه مثّل سابقة مهمة لنمط السيطرة غير المباشرة الذي تطور لاحقًا في الجنوب.
وقف إطلاق النار في تموز/يوليو 1981
شهد صيف سنة 1981 تصعيدًا شديدًا عبر الحدود اللبنانية الفلسطينية.
وبعد جولات من القصف والغارات وإطلاق الصواريخ، ساعد المبعوث الأميركي فيليب حبيب في التوصل إلى وقف فعلي لإطلاق النار دخل حيز التنفيذ في 24 تموز/يوليو 1981.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن وقف إطلاق النار صمد بصورة عامة على القطاع الإسرائيلي اللبناني خلال معظم الأشهر التالية، رغم وقوع حوادث وخروقات خطيرة، ولا سيما في نيسان/أبريل وأيار/مايو 1982.
لكن القيادة الإسرائيلية بقيت تنظر إلى البنية السياسية والعسكرية لمنظمة التحرير في لبنان باعتبارها مشكلة استراتيجية.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن ووزير الدفاع أرييل شارون من أبرز المسؤولين المرتبطين بالإعداد لمواجهة عسكرية أوسع مع المنظمة في لبنان.
محاولة اغتيال شلومو أرغوف
جاءت الأزمة المباشرة في 3 حزيران/يونيو 1982.
فقد تعرض السفير الإسرائيلي في بريطانيا شلومو أرغوف لإطلاق النار خارج فندق دورشيستر في لندن وأصيب بجروح خطيرة.
وكان منفذو الهجوم مرتبطين بـتنظيم أبو نضال، وهو تنظيم فلسطيني منشق كان في صراع وعداء مباشر مع ياسر عرفات وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية.
ونفت منظمة التحرير مسؤوليتها عن محاولة الاغتيال.
لكن الحكومة الإسرائيلية قررت الرد بقصف أهداف تابعة لمنظمة التحرير في لبنان.
قصف 4 حزيران/يونيو
في 4 حزيران/يونيو، شنت الطائرات الإسرائيلية سلسلة من الغارات على بيروت ومناطق أخرى في لبنان.
وسجلت تقارير الأمم المتحدة أن الأهداف في بيروت شملت منطقة مخيم صبرا، والمنطقة المحيطة بالمدينة الرياضية، والطرف الغربي لمطار بيروت الدولي.
وقدرت المعلومات الأولية التي نقلها الأمين العام للأمم المتحدة سقوط نحو 40 قتيلًا، مع احتمال ارتفاع الحصيلة.
كما نقلت وثائق الأمم المتحدة عن ممثل منظمة التحرير تقديرًا أوليًا تحدث عن 35 قتيلًا ونحو 150 جريحًا بإصابات خطيرة.
وردت القوات الفلسطينية بإطلاق نيران مدفعية وصواريخ باتجاه شمال فلسطين المحتلة، لتدخل المواجهة في دورة تصعيد جديدة.
وحاولت الأمم المتحدة إعادة تثبيت وقف إطلاق النار القائم منذ 1981، لكن تلك الجهود لم تنجح.
6 حزيران/يونيو: بداية الاجتياح
في صباح 6 حزيران/يونيو 1982، عبرت القوات البرية الإسرائيلية الحدود اللبنانية.
وأفاد الأمين العام للأمم المتحدة في تقاريره بأن أكثر من فرقتين ميكانيكيتين دخلتا جنوب لبنان منذ الساعات الأولى، بدعم جوي وبحري واسع.
وسرعان ما تجاوزت القوات المهاجمة مواقع اليونيفيل أو حاصرتها.
ولم تكن القوة الدولية تملك التفويض أو القدرات العسكرية اللازمة لوقف اجتياح بهذا الحجم.
وتقدر الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية – PalQuest حجم القوات الإسرائيلية التي حُشدت للحملة الأوسع بنحو 90 ألف جندي، موزعين على خمس فرق وتشكيلين بحجم لواء معزز، ومدعومين بنحو 1,300 دبابة و600 طائرة.
ويظهر حجم هذه القوة أن العملية كانت أكبر بكثير من غارة حدودية محدودة أو رد عسكري قصير على حادثة منفردة.
الهدف المعلن: أربعون كيلومترًا
قدمت الحكومة الإسرائيلية هدف العملية علنًا باعتباره دفع التنظيمات الفلسطينية المسلحة مسافة تقارب 40 كيلومترًا شمال الحدود.
وكان من المفترض، وفق هذه الصياغة، أن يؤدي ذلك إلى إبعاد جزء كبير من المدفعية والصواريخ الفلسطينية عن مناطق شمال فلسطين المحتلة.
لكن القوات الإسرائيلية تجاوزت هذا الحد بسرعة.
فبدل التوقف في جنوب لبنان، واصلت التقدم شمالًا باتجاه بيروت، حيث كانت قيادة منظمة التحرير ومؤسساتها السياسية والإدارية والعسكرية الرئيسية موجودة.
أهداف إسرائيلية أوسع من الأربعين كيلومترًا
تشير الدراسات التاريخية المتعلقة بصنع القرار الإسرائيلي إلى أن أهداف الحملة لم تقتصر على المنطقة الحدودية المعلنة.
فمن بين الأهداف الأوسع التي ارتبطت بالعملية:
- تفكيك البنية العسكرية لمنظمة التحرير الفلسطينية في لبنان.
- إخراج قيادة المنظمة من بيروت.
- إضعاف الوجود والنفوذ العسكري السوري في لبنان.
- تغيير ميزان القوى داخل الحرب الأهلية اللبنانية.
- دعم قيام سلطة لبنانية تستطيع الوصول إلى ترتيبات سياسية وأمنية مع إسرائيل.
وكانت العلاقة الإسرائيلية الوثيقة مع القوات اللبنانية وزعيمها بشير الجميل جزءًا مهمًا من هذا التصور السياسي.
التقدم عبر جنوب لبنان
تحركت القوات الإسرائيلية بسرعة على عدة محاور.
وتقدمت تشكيلات على الساحل باتجاه صور وصيدا.
وتقدمت قوات أخرى عبر وسط وجنوب شرق لبنان باتجاه النبطية وحاصبيا والشوف ومداخل سهل البقاع.
كما نُفذت عمليات إنزال بحري على الساحل اللبناني ساعدت على تجاوز بعض المواقع الدفاعية الفلسطينية واللبنانية.
وقاوم المقاتلون الفلسطينيون وحلفاؤهم اللبنانيون الاجتياح في المخيمات والبلدات والمواقع المحصنة وعلى المحاور الرئيسية المؤدية شمالًا.
معركة قلعة الشقيف
كان من أبرز معارك الأيام الأولى القتال حول قلعة الشقيف – Beaufort Castle، التي تشرف على طرق ومحاور مهمة في جنوب لبنان.
وكانت المقاومة الفلسطينية قد أقامت مواقع محصنة حول القلعة. ودارت معركة عنيفة قبل أن تتمكن القوات الإسرائيلية من السيطرة على الموقع.
وأصبحت معركة قلعة الشقيف لاحقًا إحدى أبرز الصور المرتبطة بالمقاومة الفلسطينية خلال الأيام الأولى للاجتياح.
صيدا ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين
وصل التقدم الإسرائيلي على الساحل إلى صيدا ومحيطها، حيث اندلعت معارك عنيفة. وتعرض مخيم عين الحلوة بصورة خاصة لدمار واسع خلال القتال والقصف والعمليات اللاحقة.
وتشير تقديرات للأونروا نقلتها دراسات لاحقة إلى أن نحو 80 في المئة من مساكن المخيم دُمرت، بينما تضرر القسم الأكبر من المساكن المتبقية.
وبصورة أوسع، قدرت دراسات تستند إلى بيانات الأونروا أن نحو 57 في المئة من مساكن اللاجئين في ثمانية مخيمات رئيسية في بيروت وصيدا وصور دُمرت، وتضررت 36 في المئة إضافية.
وأثر هذا الدمار بصورة مباشرة في نحو 73,500 لاجئ فلسطيني.
المواجهة بين القوات الإسرائيلية والسورية
أدى الاجتياح أيضًا إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين القوات الإسرائيلية والقوات السورية الموجودة في لبنان. وكانت سورية تحتفظ بتشكيلات مدرعة وشبكة كبيرة من صواريخ الدفاع الجوي في سهل البقاع. ومع تقدم القوات الإسرائيلية شرقًا وشمالًا، اندلعت معارك برية وجوية واسعة بين الجانبين.
المعركة الجوية في سهل البقاع
في 9 حزيران/يونيو 1982، شنت القوات الجوية الإسرائيلية عملية واسعة ضد شبكة الدفاع الجوي السورية في سهل البقاع.
واستخدمت في العملية الطائرات المقاتلة والحرب الإلكترونية والطائرات الموجهة عن بعد ووسائل الاستطلاع والصواريخ المضادة للرادار.
وتشير دراسات عسكرية لاحقة إلى أن الهجوم الأول أدى إلى تدمير 17 من أصل 19 موقعًا رئيسيًا لصواريخ SA-6 السورية، بينما ضُربت مواقع أخرى لاحقًا.
كما اندلعت معركة جوية كبيرة تكبد فيها سلاح الجو السوري خسائر كبيرة.
وأدى تدمير جزء كبير من شبكة الصواريخ السورية إلى زيادة حرية حركة الطيران الإسرائيلي فوق لبنان خلال المراحل التالية من الحملة.
مجلس الأمن يطالب إسرائيل بالانسحاب
بدأ التحرك الدولي قبل بدء الاجتياح البري نفسه.
ففي 5 حزيران/يونيو، اعتمد مجلس الأمن بالإجماع القرار 508، وطالب جميع الأطراف بوقف العمليات العسكرية بصورة فورية ومتزامنة داخل لبنان وعبر الحدود اللبنانية الفلسطينية.
وفي اليوم التالي، بعد دخول القوات البرية الإسرائيلية لبنان، أصدر مجلس الأمن بالإجماع القرار 509.
وطالب القرار إسرائيل بأن:
تسحب جميع قواتها العسكرية فورًا ومن دون شروط إلى الحدود اللبنانية المعترف بها دوليًا.
لكن القوات الإسرائيلية لم تنسحب، بل واصلت التقدم باتجاه بيروت.
الطريق إلى بيروت
تجاوز التقدم الإسرائيلي سريعًا المسافة التي حددها الهدف العسكري المعلن.
وبحلول 13 حزيران/يونيو، كانت القوات الإسرائيلية قد وصلت إلى محيط بيروت وأصبحت العاصمة مطوقة من عدة اتجاهات.
وكانت بيروت الغربية تضم مقرات قيادة منظمة التحرير، ومؤسساتها السياسية والإعلامية والعسكرية، وقوى من الحركة الوطنية اللبنانية، إلى جانب مخيمات فلسطينية ومئات آلاف السكان المدنيين.
وبذلك انتقلت الحرب من اجتياح لجنوب لبنان إلى حصار طويل لعاصمة عربية كبيرة.
حصار بيروت الغربية
استمر حصار بيروت الغربية قرابة ثلاثة أشهر.
وأحاطت القوات الإسرائيلية بالمدينة برًا، بينما مارست البحرية الإسرائيلية الضغط من البحر ونشط الطيران في أجوائها.
وتعرضت طرق الإمداد وشبكات الكهرباء والمياه والوقود والمواد الغذائية والخدمات الأساسية لضغوط وانقطاعات متكررة.
ونفذت الطائرات والمدفعية والدبابات والمدافع البحرية الإسرائيلية عمليات قصف متكررة على مناطق مختلفة من بيروت الغربية.
وتعرضت مخيمات اللاجئين الفلسطينيين وأحياء سكنية كثيفة للقصف.
وفي داخل المدينة، واصلت منظمة التحرير والقوى اللبنانية المتحالفة معها المقاومة.
المدنيون والمنشآت الطبية تحت القصف
لم تقتصر آثار حصار بيروت الغربية على المقاتلين والمواقع العسكرية، بل تعرضت الأحياء السكنية ومخيمات اللاجئين والمرافق المدنية والطبية للقصف بصورة متكررة، في مدينة كان يعيش فيها مئات آلاف المدنيين اللبنانيين والفلسطينيين.
وكان آلاف المدنيين قد وصلوا إلى بيروت أصلًا بعد نزوحهم من مناطق جنوب لبنان التي تعرضت للقصف والقتال خلال تقدم قوات الاحتلال الإسرائيلي، فأصبحت العاصمة تستقبل أعدادًا إضافية من النازحين في الوقت الذي كانت فيه نفسها تتعرض للحصار والهجمات الجوية والمدفعية والبحرية.
كما تعرض القطاع الطبي والإنساني نفسه للخطر. فقد نقلت وثائق الأمم المتحدة عن الصليب الأحمر اللبناني أن سيارات إسعاف ومركبات ومتطوعين تابعين له تعرضوا لهجمات من القوات الإسرائيلية، وأن فرق الإسعاف مُنعت في بعض الحالات من القيام بواجبها في إجلاء الجرحى ونقل الأدوية والمواد الغذائية.
وتعرضت المستشفيات والمراكز الطبية لضغط شديد نتيجة القصف والحصار وتدفق الجرحى، بينما واجهت سيارات الإسعاف والطواقم الطبية صعوبات متزايدة في الوصول إلى المصابين أو نقلهم بين المناطق والمستشفيات.
وتعززت هذه الاتهامات بسبب تكرار القصف على مناطق مدنية، والحصار الذي قيّد وصول الغذاء والوقود والمياه والأدوية، والهجمات التي أصابت طواقم ومركبات إنسانية. وقد بلغ القلق الدولي حد أن مجلس الأمن طالب في قراره 515 الصادر في 29 تموز/يوليو 1982 الحكومة الإسرائيلية برفع حصار بيروت فورًا للسماح بإيصال الاحتياجات الضرورية إلى السكان المدنيين وتوزيع المساعدات الإنسانية.
الحرب النفسية وتحذيرات الإخلاء
استخدمت القوات الإسرائيلية كذلك وسائل للحرب النفسية خلال حصار بيروت. فألقت منشورات من الجو، واستخدمت الإذاعة والتحذيرات الموجهة إلى السكان لمطالبتهم بمغادرة مناطق كان من المتوقع قصفها. وقدمت إسرائيل هذه الإجراءات باعتبارها محاولة لإبعاد المدنيين عن المقاتلين والمواقع الفلسطينية.
لكن بالنسبة إلى أعداد كبيرة من السكان، كان الخروج من المدينة أو الانتقال إلى مناطق آمنة صعبًا أو مستحيلًا، كما أن طبيعة بيروت الغربية ومخيماتها المكتظة جعلت الفصل بين المناطق العسكرية والمدنية أكثر تعقيدًا.
القصف من البر والبحر والجو
تصاعد القصف مرارًا خلال تموز/يوليو وآب/أغسطس.
وسجلت مراسلات وتقارير أممية غارات جوية وقصفًا مدفعيًا وبحريًا طال مناطق من بينها الفاكهاني وبئر حسن والأوزاعي والرملة البيضاء، إلى جانب مخيمات صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة.
كما أصبح مطار بيروت الدولي ومحيطه إحدى ساحات المواجهة الرئيسية.
ودافعت القوات الفلسطينية عن مواقع حول المطار والمداخل الجنوبية للعاصمة، بينما واصلت القوات الإسرائيلية محاولاتها لتضييق الحصار.
معارك آب/أغسطس
شهد النصف الأول من آب/أغسطس بعض أشد موجات القصف التي تعرضت لها بيروت خلال الحصار.
وزادت القوات الإسرائيلية ضغطها حول المطار والضواحي الجنوبية في الوقت نفسه الذي كانت فيه المفاوضات المتعلقة بخروج منظمة التحرير تدخل مرحلة حاسمة.
وفي 4 آب/أغسطس، أصدر مجلس الأمن القرار 517، معبرًا عن قلقه الشديد إزاء الوضع في بيروت ومطالبًا مجددًا بوقف إطلاق النار واحترام القرارات السابقة المتعلقة بانسحاب القوات الإسرائيلية.
وفي 12 آب/أغسطس، أصدر مجلس الأمن القرار 518 وطالب برفع القيود عن بيروت للسماح بدخول المياه والغذاء والأدوية والإمدادات الضرورية للسكان المدنيين.
الذخائر العنقودية والفوسفورية
ثبت استخدام القوات الإسرائيلية للذخائر العنقودية خلال اجتياح لبنان سنة 1982.
ووثقت منظمة Human Rights Watch لاحقًا أن استخدام الذخائر العنقودية الأميركية الصنع في مناطق مأهولة وسقوط ضحايا مدنيين دفع إدارة الرئيس رونالد ريغان في تموز/يوليو 1982 إلى فرض وقف على نقل الذخائر العنقودية الأميركية إلى إسرائيل استمر عدة سنوات.
كما تضمنت وثائق ورسائل لبنانية وفلسطينية معاصرة أُحيلت إلى الأمم المتحدة تقارير عن استخدام ذخائر فوسفورية خلال العمليات والقصف.
وتحدثت تقارير طبية وشهادات عن إصابات حروق شديدة نُسبت إلى هذه الذخائر.
ومن الضروري مع ذلك التمييز بين توثيق استخدام نوع من السلاح وبين الحكم القانوني على كل واقعة استخدام منفردة، إذ يعتمد التقييم القانوني على طبيعة الهدف والذخيرة وطريقة استخدامها والظروف المحيطة بكل هجوم.
الخسائر البشرية
يصعب تحديد حصيلة نهائية واحدة لضحايا اجتياح لبنان سنة 1982.
فقد شاركت في القتال القوات الإسرائيلية ومنظمة التحرير والقوات السورية وقوى ومليشيات لبنانية متعددة، كما سقط أعداد كبيرة من المدنيين في مناطق اختلطت فيها المواقع العسكرية بالمناطق السكنية.
ولهذا تختلف التقديرات بحسب الفترة الزمنية التي تغطيها والمصادر المستخدمة.
وفي أيلول/سبتمبر 1982، نشرت صحيفة النهار اللبنانية مسحًا استند إلى سجلات الشرطة والمستشفيات والدفاع المدني، وقدر عدد القتلى في الفترة الممتدة من قصف 4 حزيران/يونيو حتى نهاية آب بنحو 17,825 شخصًا، إضافة إلى أكثر من 30 ألف جريح.
وشملت هذه الحصيلة مدنيين لبنانيين وفلسطينيين، إضافة إلى مقاتلين فلسطينيين ولبنانيين وأفراد من القوات السورية.
وتوجد كذلك أرقام لبنانية رسمية أو شبه رسمية لفترة أوسع تشير إلى نحو 19,085 قتيلًا و31,915 جريحًا.
ولا ينبغي التعامل مع هذين الرقمين باعتبارهما حصيلة واحدة أو رقمًا نهائيًا متفقًا عليه، لأنهما يغطيان فترات ومصادر مختلفة.
لكن جميع التقديرات المعاصرة تؤكد أن الكلفة البشرية للاجتياح وحصار بيروت كانت هائلة.
تدمير مخيمات اللاجئين الفلسطينيين
كان اللاجئون الفلسطينيون من أكثر الفئات تضررًا من الاجتياح.
وكان لدى الأونروا نحو 239 ألف لاجئ فلسطيني مسجل في لبنان عند بداية الاجتياح.
وأطلقت الوكالة برنامج إغاثة طارئ وصل لاحقًا إلى أعداد كبيرة من اللاجئين المتضررين.
وأكدت تقاريرها أن أربعة من أصل ستة مخيمات في جنوب لبنان دُمرت أو تعرضت لأضرار شديدة، وأن آلاف الفلسطينيين فقدوا منازلهم.
وبحسب تقديرات للأونروا نقلتها دراسات لاحقة، دُمر نحو 57 في المئة من مساكن اللاجئين في ثمانية مخيمات رئيسية في مناطق بيروت وصيدا وصور، بينما تضررت 36 في المئة أخرى.
وأثر الدمار في الغالبية الساحقة من سكان تلك المخيمات.
البحث الدبلوماسي عن نهاية للحصار
مع استمرار حصار بيروت، أجرى المبعوث الأميركي فيليب حبيب مفاوضات غير مباشرة مكثفة بين منظمة التحرير والحكومة اللبنانية وإسرائيل ودول أخرى.
وأصبحت القضية الأساسية هي كيفية إخراج القوات الفلسطينية وقيادة منظمة التحرير من بيروت من دون اقتحام شامل للمدينة.
وفي النهاية وافقت المنظمة على الخروج في إطار ترتيبات دولية تضمنت نشر قوة متعددة الجنسيات ومجموعة من التفاهمات والضمانات المتعلقة بأمن المدنيين الفلسطينيين الذين سيبقون في بيروت.
خروج منظمة التحرير من بيروت
تم التوصل في 20 آب/أغسطس 1982 إلى الترتيبات النهائية المتعلقة بمغادرة المقاتلين والكوادر الفلسطينية.
وبدأت عملية الإجلاء المنظمة في 21 آب/أغسطس.
وأشرفت قوة متعددة الجنسيات تضم أساسًا قوات أميركية وفرنسية وإيطالية على عملية الانسحاب.
وبحسب سجلات الأمم المتحدة، غادر بيروت بين 21 آب/أغسطس و1 أيلول/سبتمبر ما مجموعه 14,737 من العناصر الفلسطينية المسلحة وأفراد قوة الردع العربية السورية، ومعهم 378 من النساء والأطفال دون الخامسة عشرة.
وتوزع الفلسطينيون المغادرون بحرًا وبرًا على دول عدة، بينها تونس وسورية واليمن والجزائر والسودان والعراق والأردن.
وأصبحت تونس بعد ذلك المقر السياسي الرئيسي لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية.
نهاية مرحلة بيروت في تاريخ منظمة التحرير
مثل خروج منظمة التحرير من بيروت خسارة استراتيجية كبيرة للحركة الوطنية الفلسطينية.
فمنذ أوائل سبعينيات القرن العشرين، وفر لبنان للمنظمة قاعدة جغرافية قريبة نسبيًا من فلسطين.
وأصبحت بيروت مركزًا للدبلوماسية والإعلام والبحث والثقافة والتنظيم والعمل العسكري الفلسطيني.
وبعد 1982، تشتتت القيادة والكوادر العسكرية والسياسية للمنظمة جغرافيًا، وأصبح مقرها الرئيسي بعيدًا عن حدود فلسطين.
وبقيت المنظمة قائمة سياسيًا ودبلوماسيًا، لكن قدراتها على تنفيذ عمليات عسكرية واسعة انطلاقًا من جنوب لبنان تراجعت بصورة كبيرة.
الضمانات المتعلقة بالمدنيين الفلسطينيين
ارتبط اتفاق خروج منظمة التحرير بترتيبات وضمانات تتعلق بأمن المدنيين الفلسطينيين الذين بقوا في بيروت.
وكانت الولايات المتحدة، عبر مبعوثها فيليب حبيب، قد اضطلعت بدور أساسي في تقديم ضمانات وتأكيدات مرتبطة بحماية المدنيين وعائلات المقاتلين بعد عملية الإجلاء.
كما كان التفاهم الذي أدى إلى الخروج قائمًا على عدم دخول القوات الإسرائيلية إلى بيروت الغربية ضمن الظروف التي رتبت لانسحاب منظمة التحرير.
ومع ذلك، بقي القادة الفلسطينيون يخشون على مصير المخيمات والسكان بعد خروج القوة المسلحة الرئيسية التي كانت توفر لهم حماية عسكرية.
انتخاب واغتيال بشير الجميل
في 23 آب/أغسطس 1982، انتُخب بشير الجميل، قائد القوات اللبنانية وأبرز الحلفاء السياسيين اللبنانيين لإسرائيل في تلك المرحلة، رئيسًا للجمهورية اللبنانية.
وبدا انتخابه في البداية وكأنه يقرب أحد الأهداف السياسية الأوسع للقيادة الإسرائيلية: قيام سلطة لبنانية يمكن أن تدخل في ترتيبات سياسية وأمنية معها.
لكن بشير الجميل اغتيل في انفجار استهدف مقر حزب الكتائب في 14 أيلول/سبتمبر 1982، قبل أن يتولى منصبه رسميًا.
وأدى اغتياله إلى تحول سريع وخطير في الوضع داخل بيروت.
القوات الإسرائيلية تدخل بيروت الغربية
في 15 أيلول/سبتمبر، دخلت قوات الاحتلال الإسرائيلي بيروت الغربية، رغم الترتيبات والتفاهمات التي ارتبطت بخروج منظمة التحرير.
وفي 17 أيلول/سبتمبر، اعتمد مجلس الأمن بالإجماع القرار 520.
وأدان القرار التوغلات الإسرائيلية الجديدة في بيروت باعتبارها انتهاكًا لاتفاقات وقف إطلاق النار وقرارات مجلس الأمن.
وطالب إسرائيل بالعودة فورًا إلى المواقع التي كانت تحتلها قبل 15 أيلول/سبتمبر باعتبار ذلك خطوة أولى نحو تنفيذ قرارات المجلس المتعلقة بالانسحاب.
وفي الوقت نفسه، أصبحت القوات الإسرائيلية تسيطر على محيط المخيمين الفلسطينيين صبرا وشاتيلا.
مجزرة صبرا وشاتيلا
بين 16 و18 أيلول/سبتمبر 1982، دخلت قوات من المليشيات الكتائبية اللبنانية إلى منطقتي صبرا وشاتيلا، بينما كانت القوات الإسرائيلية تسيطر على المناطق المحيطة بالمخيمين وعلى معظم بيروت الغربية.
وقُتل خلال المجزرة عدد كبير من المدنيين الفلسطينيين واللبنانيين.
وسجل مراقبو الأمم المتحدة في تلك الأيام وجود وحدات كتائبية في محيط صبرا ومنطقة بئر حسن والمطار، بينما كانت بيروت الغربية تحت السيطرة الإسرائيلية باستثناء أجزاء من منطقة المخيم أثناء سير القتل.
وأصبحت المجزرة واحدة من أخطر وأشد النتائج مأساوية للمرحلة التي أعقبت إخراج منظمة التحرير من بيروت.
أما تفاصيل المجزرة، وأعداد الضحايا، ومسؤوليات الأطراف المختلفة، والتحقيقات التي تلتها، فتشكل موضوعًا تاريخيًا مستقلًا يستحق معالجة منفصلة.
المشروع السياسي الإسرائيلي في لبنان
بدا في المرحلة الأولى أن الاجتياح منح إسرائيل نفوذًا واسعًا داخل المشهد اللبناني.
فقد خرجت القيادة الرئيسية لمنظمة التحرير من بيروت.
وتعرض الوجود العسكري السوري لضربات كبيرة في بعض المناطق.
كما انتُخب حليف لبناني وثيق لإسرائيل رئيسًا للجمهورية قبل اغتياله.
وسعت القيادة الإسرائيلية إلى تحويل هذه النتائج العسكرية إلى اتفاق سياسي وأمني رسمي مع الحكومة اللبنانية.
اتفاق 17 أيار/مايو 1983
بعد مفاوضات طويلة بوساطة أميركية، وقع ممثلون عن لبنان وإسرائيل في 17 أيار/مايو 1983 اتفاقًا لتنظيم العلاقات والانسحاب.
ونص الاتفاق على إنهاء حالة الحرب بين الطرفين، وترتيبات تتعلق بانسحاب القوات الإسرائيلية والأمن في جنوب لبنان، وعلى التزامات لبنانية بمنع استخدام الأراضي اللبنانية لشن عمليات عسكرية على إسرائيل.
لكن الاتفاق واجه معارضة قوية داخل لبنان ومن سورية وقوى سياسية وعسكرية لبنانية مختلفة.
ولم يدخل حيز التنفيذ بصورة كاملة.
وفي 5 آذار/مارس 1984، قررت الحكومة اللبنانية إلغاء الاتفاق.
صعود المقاومة اللبنانية
لم يؤدِ الاحتلال الإسرائيلي إلى قيام نظام سياسي لبناني مستقر ومتحالف مع إسرائيل كما كان يأمل بعض مخططي الاجتياح.
بل أسهم استمرار الاحتلال والتدخل العسكري في ظهور وتوسع أشكال جديدة من المقاومة اللبنانية.
ونفذت تنظيمات لبنانية قومية ويسارية عمليات ضد القوات الإسرائيلية.
وفي الوقت نفسه، توسعت التعبئة السياسية والعسكرية داخل البيئة الشيعية اللبنانية بصورة كبيرة.
وخلال هذه المرحلة ظهر حزب الله بدعم إيراني، ثم أصبح خلال السنوات التالية من أبرز القوى المسلحة التي واجهت الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان.
الانسحاب نحو جنوب لبنان
أدت العمليات المسلحة المستمرة وعدم الاستقرار السياسي وفشل اتفاق 17 أيار إلى إضعاف قدرة إسرائيل على الاحتفاظ بالترتيب الذي سعت إلى فرضه بعد الاجتياح.
وانسحبت القوات الإسرائيلية تدريجيًا من منطقة بيروت، ثم أعادت انتشارها جنوبًا.
وفي سنة 1985، انسحبت إسرائيل من معظم الأراضي اللبنانية التي كانت تحتلها، لكنها احتفظت بالسيطرة على شريط حدودي في جنوب لبنان.
وأصبح هذا الشريط يعرف باسم «المنطقة الأمنية».
وحافظت القوات الإسرائيلية على وجودها فيه بالتعاون مع جيش لبنان الجنوبي.
واستمر هذا الاحتلال حتى أيار/مايو 2000.
وفي حزيران/يونيو 2000، أكدت الأمم المتحدة أن إسرائيل سحبت قواتها من لبنان بما يتوافق مع متطلبات القرار 425، بعد التحقق من خط الانسحاب الذي حددته المنظمة.
من القواعد المسلحة خارج فلسطين إلى المقاومة داخل الوطن
أثر الخروج من بيروت بصورة عميقة في الاستراتيجية الفلسطينية خلال السنوات التالية.
فقد حافظت منظمة التحرير على وزنها السياسي والدبلوماسي الدولي، لكن قدراتها العسكرية التقليدية وقدرتها على إدارة قواعد مسلحة واسعة قرب فلسطين أصبحت أضعف.
وبعد نحو خمس سنوات، في كانون الأول/ديسمبر 1987، اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الأولى داخل الأرض الفلسطينية المحتلة.
ومنذ ذلك الوقت، برز بصورة متزايدة انتقال مركز الفعل الفلسطيني من التشكيلات المسلحة الكبيرة المتمركزة في الدول العربية المجاورة إلى المقاومة الشعبية والتنظيم السياسي داخل فلسطين نفسها، وإن استمرت أشكال أخرى من العمل الفلسطيني في الخارج.
مقاطع مصوّرة
معرض الصور
اقرأ أيضاً من الأرشيف
تحميل تطبيق فلسطيننا
الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.
أضف تعليقك
الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.