فلسطيننا

الجدول بعرض الصفحة

خط زمني 11 أيار 1942

المؤتمر صهيوني في فندق بلتمور في الولايات المتحدة، شكل نقطة التحول في التحالف الأميركي الصهيوني

المؤتمر صهيوني في فندق بلتمور في الولايات المتحدة، شكل نقطة التحول في التحالف الأميركي الصهيوني

مؤتمر بيلتمور: نقطة تحول في الاستراتيجية الصهيونية وصعود النفوذ الصهيوني الأميركي

في أيار/مايو 1942، وفي خضم الحرب العالمية الثانية، اجتمع قادة صهاينة في فندق بيلتمور بمدينة نيويورك في مؤتمر استثنائي أصبح واحدًا من أبرز نقاط التحول في تاريخ الحركة الصهيونية والقضية الفلسطينية.

انعقد المؤتمر الصهيوني الاستثنائي في نيويورك خلال الفترة من 6 إلى 11 أيار/مايو 1942، بينما ارتبطت جلسات بيلتمور الرئيسية عادة بالفترة من 9 إلى 11 أيار. وفي 11 أيار/مايو، أُقر الإعلان النهائي الذي أصبح يُعرف باسم برنامج بيلتمور.

وشارك في المؤتمر نحو 550 مندوبًا، كان معظمهم من الصهاينة الأميركيين، إلى جانب قادة وممثلين صهاينة قدموا من دول مختلفة. وكان من أبرز المشاركين حاييم فايتسمان، رئيس المنظمة الصهيونية العالمية، وديفيد بن غوريون، رئيس الهيئة التنفيذية للوكالة اليهودية.

ومن منظور التاريخ الفلسطيني، مثّل مؤتمر بيلتمور تصعيدًا مهمًا في الأهداف السياسية للحركة الصهيونية. فبعد عقود من استخدام التعبير الأقل تحديدًا «الوطن القومي اليهودي» في فلسطين، أصبح البرنامج الجديد يطالب علنًا بأن تتحول فلسطين نفسها إلى «كومنولث يهودي»، وهي صياغة فُهمت في السنوات التالية باعتبارها مطالبة واضحة بإقامة دولة يهودية.

برنامج بيلتمور

أقر المؤتمر ثمانية قرارات أصبحت تُعرف مجتمعة باسم برنامج بيلتمور.

وتضمنت أبرز المطالب السياسية الواردة في البرنامج:

  • فتح أبواب فلسطين أمام هجرة يهودية واسعة.
  • منح الوكالة اليهودية السيطرة على الهجرة إلى فلسطين.
  • منح الوكالة اليهودية سلطات واسعة تتعلق بتنمية البلاد والاستيطان فيها.
  • رفض الكتاب الأبيض البريطاني لعام 1939 والقيود التي فرضها على الهجرة والاستيطان.
  • إقامة فلسطين بوصفها «كومنولث يهوديًا» ضمن النظام الدولي الذي سيظهر بعد انتهاء الحرب.

وطالب البرنامج كذلك بالاعتراف بقوة عسكرية يهودية تقاتل تحت علمها الخاص ضمن المجهود العسكري للحلفاء ضد دول المحور.

وعلى الرغم من أن كلمة «دولة» لم تُستخدم بصورة مباشرة في الصياغة الأساسية للبرنامج، فإن المطالبة بـ«كومنولث يهودي» مثّلت انتقالًا حاسمًا إلى ما بعد لغة وعد بلفور وصك الانتداب.

وبعد عدة سنوات، وصفت اللجنة الأنجلو–أميركية للتحقيق عام 1946 برنامج بيلتمور باعتباره برنامجًا يهدف في نهاية المطاف إلى إنشاء دولة يهودية، وأشارت إلى أن هذا المطلب تجاوز الالتزامات الواردة في وعد بلفور وصك الانتداب.

من «الوطن القومي» إلى الدولة اليهودية

كان لهذا التحول في المصطلحات أهمية تاريخية كبيرة.

فمنذ عام 1917، اعتمدت الدبلوماسية الصهيونية الرسمية بصورة عامة على تعبير «الوطن القومي اليهودي» في فلسطين، وهو تعبير بقي معناه السياسي النهائي غامضًا في مراحل كثيرة.

أما في بيلتمور، فقد تقلص هذا الغموض إلى حد كبير.

فالمطالبة بإقامة «كومنولث يهودي» جعلت السيادة وإقامة الدولة هدفًا أكثر وضوحًا داخل التيار الرئيسي للحركة الصهيونية.

ومن المنظور الفلسطيني، كان هذا يعني أن حركة توسعت لعقود من خلال الهجرة والاستيطان وشراء الأراضي وبناء مؤسسات سياسية واقتصادية منفصلة أصبحت تطالب بصورة أكثر وضوحًا بالسيادة على فلسطين، في وقت ظل فيه العرب الفلسطينيون يشكلون أغلبية سكان البلاد.

كيف أشار البرنامج إلى العرب الفلسطينيين؟

ليس دقيقًا القول إن برنامج بيلتمور تجاهل العرب بصورة مطلقة.

فقد أشار الإعلان إلى «الجيران العرب» للجماعة اليهودية، وأعلن الاستعداد للتعاون في التنمية الاقتصادية والزراعية والقومية للشعوب والدول العربية.

لكن هذه اللغة لم تعترف بالعرب الفلسطينيين باعتبارهم الأغلبية الوطنية التي تمتلك حق تقرير السيادة والمستقبل السياسي لفلسطين نفسها.

وفي الوقت ذاته، طالب البرنامج بتحويل فلسطين إلى كومنولث يهودي، ومنح الوكالة اليهودية السيطرة على الهجرة، وفتح البلاد أمام توسع الهجرة والاستيطان اليهوديين.

ومن المنظور الفلسطيني، كان هذا هو التناقض الأساسي في البرنامج: فقد ظهر الفلسطينيون في النص بوصفهم «جيرانًا عربًا» يمكن التعاون معهم، لا باعتبارهم أغلبية البلاد التي ينبغي أن تكون موافقتها شرطًا أساسيًا قبل تحويل وطنها إلى دولة قومية لشعب آخر.

لغة الأراضي «الخالية» أو «غير المزروعة»

أشاد إعلان بيلتمور بما اعتبره إنجازات الاستيطان الصهيوني في تحويل الأراضي المهملة، ودعا إلى تطوير ما وصفه بـ«الأراضي غير المشغولة وغير المزروعة» في فلسطين.

وعكست هذه اللغة خطابًا أوسع استُخدم في بعض الأدبيات الصهيونية لتقديم فلسطين باعتبارها بلدًا غير متطور تتوفر فيه مساحات يمكن استيطانها وتطويرها.

ومن المنظور الفلسطيني، حجبت هذه الصورة واقع بلد يضم مدنًا وقرى فلسطينية وأراضي زراعية ومراعي وبساتين وأراضي مشاع، فضلًا عن علاقات اجتماعية واقتصادية متوارثة بين السكان والأرض.

فالأرض التي كانت تُصنّف إداريًا باعتبارها غير مزروعة أو قليلة السكان لم تكن بالضرورة أرضًا بلا مالكين أو مستخدمين، ولا خالية من الرعي أو الاستخدامات الزراعية الموسمية أو الوظائف الاجتماعية والاقتصادية الأخرى.

ولهذا لم تكن القضية مسألة لغوية فقط؛ فقد ساعد وصف الأراضي الفلسطينية بأنها فارغة أو غير مستخدمة أو تنتظر التطوير في تكوين خطاب سياسي يهمّش وجود السكان الفلسطينيين وعلاقتهم بالأرض عند مناقشة مستقبل البلاد.

الابتعاد عن الاعتماد على بريطانيا

عكس مؤتمر بيلتمور أيضًا التدهور المتزايد في العلاقة بين الحركة الصهيونية وبريطانيا.

فمنذ وعد بلفور عام 1917، كانت بريطانيا القوة الدولية الكبرى الأهم في دعم المشروع الصهيوني وتوفير الإطار السياسي لانتشاره في فلسطين.

لكن الكتاب الأبيض لعام 1939 أقنع عددًا متزايدًا من القادة الصهاينة بأن بريطانيا لم تعد قادرة أو راغبة في إيصال المشروع إلى النتيجة السياسية التي يريدونها.

وكان ديفيد بن غوريون يتجه بصورة متزايدة نحو استراتيجية تقوم على مقاومة القيود البريطانية، مع تعزيز القوة السياسية والمؤسساتية الصهيونية داخل فلسطين وخارجها.

في المقابل، ظل حاييم فايتسمان أكثر ميلًا إلى الحفاظ على التعاون مع بريطانيا، وأصبحت الاختلافات في الأسلوب والاستراتيجية أكثر وضوحًا داخل القيادة الصهيونية.

ولهذا مثّل بيلتمور تحولًا في الاتجاه السياسي الدولي للحركة الصهيونية، إذ أصبحت الولايات المتحدة ساحة أكثر مركزية للحصول على الدعم السياسي والموارد المالية والتأييد الشعبي وممارسة الضغط الدبلوماسي.

صعود التعبئة السياسية الصهيونية في الولايات المتحدة

لم يكن مؤتمر بيلتمور قرارًا رسميًا صادرًا عن الحكومة الأميركية بتأييد إقامة دولة يهودية.

كما لم تعتمد إدارة الرئيس فرانكلين د. روزفلت برنامج بيلتمور رسميًا سنة 1942.

لكن الأهمية المباشرة للمؤتمر تمثلت في مساهمته في توحيد قطاعات واسعة من الحركة الصهيونية الأميركية حول برنامج سياسي أكثر وضوحًا يطالب بإقامة دولة يهودية في فلسطين.

وفي السنوات التالية، وسعت المؤسسات الصهيونية الأميركية نشاطها السياسي من خلال مجلس الطوارئ الصهيوني الأميركي وشبكة واسعة من المنظمات المحلية والحملات السياسية والإعلامية ونشاطات الضغط.

وسعت هذه المؤسسات إلى كسب تأييد أعضاء الكونغرس والأحزاب السياسية والزعماء الدينيين والمنظمات المدنية والرأي العام الأميركي لفتح فلسطين أمام الهجرة اليهودية وإقامة دولة يهودية فيها.

ومع تراجع القوة البريطانية أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها، وصعود الولايات المتحدة قوةً دولية كبرى، أصبحت واشنطن أكثر أهمية في الدبلوماسية الدولية المتعلقة بمستقبل فلسطين.

من بيلتمور إلى عام 1948

لم يكن مؤتمر بيلتمور وحده سببًا في أحداث عام 1948، ولم يؤدِّ إلى تحول فوري في سياسة الحكومة الأميركية تجاه فلسطين.

لكن أهميته التاريخية تكمن في الاتجاه السياسي الذي ساعد على تثبيته داخل الحركة الصهيونية.

فقد جعل إقامة دولة يهودية هدفًا أكثر وضوحًا للتيار الصهيوني الرئيسي، ورفض القيود البريطانية على الهجرة، وطالب بمنح الوكالة اليهودية سلطات واسعة، وساعد على تعبئة الحركة الصهيونية الأميركية حول هذه الأهداف، كما أسهم في انتقال مركز الثقل الدبلوماسي الصهيوني تدريجيًا نحو الولايات المتحدة.

وبعد ست سنوات، في 14 أيار/مايو 1948، أعلنت القيادة الصهيونية إقامة دولة إسرائيل في فلسطين.

وبالنسبة إلى الفلسطينيين، جاء ذلك في خضم النكبة الفلسطينية، التي تمثلت في التهجير الجماعي للفلسطينيين، وتدمير أو إفراغ مئات المدن والقرى الفلسطينية، وتحول معظم الفلسطينيين في المناطق التي أقيمت عليها إسرائيل إلى لاجئين ومهجّرين.

افتح المقال على شكل PDF

اقرأ أيضاً من الأرشيف

شارك هذا المقال

تحميل تطبيق فلسطيننا الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.

أضف تعليقك

الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.