فلسطيننا

الجدول بعرض الصفحة

مقال 19 تشرين الثاني 1935

استشهاد عز الدين القسام، الشيخ المقاوم في فلسطين، على أيدي البريطانيين

استشهاد عز الدين القسام، الشيخ المقاوم في فلسطين، على أيدي البريطانيين

إستشهاد عزّ الدين القسّام في معركة مع القوات البريطانية في فلسطين

كان الشيخ عزّ الدين القسّام واحدًا من أبرز الشخصيات التي ارتبط اسمها بالمقاومة المسلحة ضد الحكم الاستعماري البريطاني في فلسطين خلال فترة الانتداب. ومن خلال الوعظ والتعليم والعمل الاجتماعي والتنظيم السياسي وتأسيس شبكات سرية مسلحة، بنى حركة هدفت إلى مواجهة الحكم البريطاني والمشروع الصهيوني المتوسع في فلسطين.

وأحدث مقتله في مواجهة مع القوات البريطانية قرب يعبد في تشرين الثاني/نوفمبر 1935 أثرًا واسعًا في المجتمع الفلسطيني. وتحولت جنازته في حيفا إلى تظاهرة شعبية شارك فيها آلاف الفلسطينيين، وأصبحت تجربته مصدر إلهام لعدد من النشطاء والمقاتلين الذين شاركوا لاحقًا في الثورة الفلسطينية الكبرى بين عامي 1936 و1939.

الميلاد والنشأة

وُلد محمد عزّ الدين بن عبد القادر القسّام سنة 1882 في بلدة جبلة، جنوب مدينة اللاذقية في سورية الحالية، وكانت آنذاك جزءًا من الدولة العثمانية.

تلقى تعليمه الأول في الكُتّاب الذي كان يديره والده، ثم سافر وهو شاب إلى القاهرة للدراسة في الأزهر الشريف، حيث تأثر بتيارات الإصلاح الإسلامي والأفكار المناهضة للاستعمار والدعوات إلى الإصلاح الاجتماعي والسياسي.

وبعد إتمام دراسته، عاد إلى جبلة سنة 1903، وعمل مدرسًا وواعظًا ورجل دين، وتولى لاحقًا إمامة المسجد المنصوري في البلدة.

الفكر السياسي ومقاومة الاستعمار

تشكّل وعي القسّام السياسي في ظل توسع القوى الاستعمارية الأوروبية في العالم العربي.

وفي فلسطين، أصبح ينظر إلى الحكم الاستعماري البريطاني باعتباره القوة السياسية الرئيسية التي توفر الإطار اللازم لتوسع المشروع الصهيوني. وتابع ازدياد الهجرة والاستيطان الصهيونيين في ظل الانتداب، وحذّر من أن الدعم البريطاني لمشروع «الوطن القومي اليهودي» يهدد المستقبل السياسي والوطني للعرب الفلسطينيين.

ودعا القسّام بصورة متكررة إلى الوحدة، وانتقد الانقسامات الحزبية والعائلية، وركز على التنظيم والسرية والانضباط والتضامن الاجتماعي والاستعداد الطويل الأمد.

ومع مرور الوقت، وصل إلى قناعة بأن المقاومة المسلحة للحكم البريطاني أصبحت ضرورية لمواجهة التحولات السياسية والديموغرافية التي كانت تشهدها فلسطين.

ولذلك لم ينظر إلى العمل المسلح باعتباره رد فعل عفويًا، بل باعتباره مسارًا يحتاج إلى الإعداد والتنظيم والدعم الشعبي واختيار أعضاء ملتزمين يعملون ضمن خلايا منضبطة وسرية.

دعم المقاومة الليبية

بدأ نشاط القسّام المناهض للاستعمار قبل وصوله إلى فلسطين بسنوات.

فبعد الغزو الإيطالي لليبيا سنة 1911، نظم تظاهرات وجمع التبرعات ودعا سكان سورية إلى دعم المقاومة الليبية.

كما شارك في حشد متطوعين كانوا يعتزمون السفر إلى ليبيا للمشاركة في القتال ضد الغزو الإيطالي. وتوجهت المجموعة إلى ميناء الإسكندرونة انتظارًا لنقلها إلى الجبهة الليبية، لكن الرحلة لم تتم كما كان مخططًا لها ولم يصل المتطوعون إلى ليبيا بوصفهم قوة منظمة.

وعكست هذه الأنشطة رؤية مناهضة للاستعمار تجاوزت حدود السياسة المحلية؛ إذ رأى القسّام في الاحتلال الأوروبي لليبيا وسورية، ثم في الحكم البريطاني في فلسطين، أجزاء من ظاهرة أوسع مرتبطة بالسيطرة الأجنبية على البلدان العربية والإسلامية.

مقاومة الاحتلال الفرنسي في سورية

بعد الحرب العالمية الأولى، شارك القسّام بصورة مباشرة في مقاومة التوسع والاحتلال الفرنسيين في سورية.

وانخرط في المقاومة المسلحة ضد القوات الفرنسية في المناطق الساحلية والجبلية المحيطة باللاذقية، ولا سيما في المنطقة القريبة من قلعة صلاح الدين.

واعتبرته السلطات الفرنسية لاحقًا خطرًا على سيطرتها، وأصدرت بحقه حكمًا بالإعدام.

ومع توسع الاحتلال الفرنسي، اضطر القسّام إلى مغادرة سورية، وانتقل مع أسرته وبعض رفاقه إلى فلسطين.

بداية جديدة في حيفا

وصل عزّ الدين القسّام إلى حيفا في أواخر عام 1920، في وقت كانت فيه بريطانيا تعزز سيطرتها على فلسطين، بينما كانت الهجرة والاستيطان الصهيونيان يتوسعان في ظل السياسة البريطانية.

وكانت حيفا تتحول سريعًا إلى واحد من أهم المراكز الصناعية والتجارية في فلسطين، كما استقبلت أعدادًا متزايدة من العمال والمهاجرين من الريف والفلسطينيين الفقراء، ومن بينهم فلاحون فقد بعضهم أراضيه بعد انتقال ملكيتها إلى المؤسسات والمستوطنين الصهاينة.

وأصبحت هذه الفئات الاجتماعية محورًا أساسيًا في النشاط الاجتماعي والسياسي للقسّام.

التعليم والعمل الاجتماعي

عمل القسّام في البداية مدرسًا في مدرسة البرج التي أنشأتها الجمعية الإسلامية في حيفا.

كما نظم نشاطات تعليمية للعمال والكبار، وأنشأ مدرسة ليلية لمكافحة الأمية. وأسهم نشاطه بين العمال الفقراء والقادمين من الريف في بناء شبكة اجتماعية واسعة تجاوزت الأوساط السياسية التقليدية في المدينة.

وكان القسّام يرى أن المقاومة لا تعتمد على السلاح وحده؛ فالتعليم والإصلاح الاجتماعي والانضباط والوعي السياسي كانت جميعها، في تصوره، عناصر ضرورية لبناء حركة قادرة على الاستمرار.

الوعظ في جامع الاستقلال

شكّل الوعظ الديني جانبًا أساسيًا آخر من نشاط القسّام.

فقد ألقى الدروس والمواعظ في جامع الاستقلال في حيفا، ثم أصبح لاحقًا إمامًا وخطيبًا فيه. واجتذبت خطبه العمال والفلاحين وسكان المدينة والقرى المحيطة بها.

واستخدم القسّام الخطاب الديني لمناقشة قضايا سياسية واجتماعية معاصرة، من بينها الفقر والاستعمار والوحدة الفلسطينية والهجرة الصهيونية والدفاع عن الأرض.

وبذلك لم يعد المسجد بالنسبة إلى أتباعه مكانًا للعبادة وحدها، بل أصبح كذلك مركزًا للتثقيف السياسي والتعبئة الشعبية.

جمعية الشبان المسلمين

شارك القسّام كذلك في تأسيس فرع جمعية الشبان المسلمين في حيفا.

وفي تموز/يوليو 1928، انتُخب رئيسًا للفرع، الذي أدى دورًا في تنظيم الشباب ونشر الوعي السياسي والوطني بينهم.

وفي سنة 1930، عُيّن القسّام مأذونًا شرعيًا تابعًا للمحكمة الشرعية في حيفا. وأتاحت له هذه الوظيفة التنقل بصورة متكررة بين قرى شمال فلسطين، الأمر الذي وسّع علاقاته بالفلاحين وسكان الريف في الجليل ومنطقة جنين.

التنظيم القسّامي السري

خلال أواخر عشرينيات القرن العشرين وبدايات الثلاثينيات، بدأ القسّام تدريجيًا ببناء شبكة سرية من الأنصار المؤيدين للعمل المسلح.

وعملت هذه الشبكة من خلال خلايا صغيرة وسرية، وكان اختيار الأعضاء يجري بعناية، في ظل مراقبة السلطات البريطانية المتزايدة لنشاط القسّام ورفاقه.

وركز في التجنيد بصورة خاصة على العمال والفلاحين الفقراء والقادمين من الأرياف والأشخاص الذين تأثروا مباشرة بالتغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها فلسطين خلال فترة الانتداب.

وسعى تنظيمه إلى تجاوز التنافس بين العائلات والأحزاب السياسية الفلسطينية التقليدية، وبناء حركة شعبية أكثر انضباطًا تعتمد على السرية والاستعداد.

وبحلول أوائل ثلاثينيات القرن العشرين، ازدادت مراقبة السلطات البريطانية للقسّام وشبكته.

تصاعد الأزمة في فلسطين

شهدت فلسطين خلال أوائل الثلاثينيات تصاعدًا سريعًا في الأزمة السياسية.

وازدادت الهجرة اليهودية بصورة كبيرة، ولا سيما بعد صعود النازية وتفاقم الاضطهاد ومعاداة السامية في أوروبا. وفي الوقت نفسه، تعاظمت المخاوف الفلسطينية من انتقال الأراضي، والبطالة، ونمو المؤسسات الصهيونية، واستمرار الالتزام البريطاني بمشروع «الوطن القومي اليهودي».

ورأى القسّام أن استمرار انتظار نتائج المفاوضات السياسية يمكن أن يسمح لهذه التحولات بأن تصبح أكثر رسوخًا وصعوبة في التراجع عنها.

كما ازدادت مراقبة السلطات البريطانية لشبكته، وأصبح يخشى من أن تبادر السلطات إلى تفكيك التنظيم قبل أن يتمكن من التحرك.

قرار حمل السلاح

تختلف الروايات بشأن التفاصيل الدقيقة لخطب القسّام الأخيرة، كما أن بعض الروايات اللاحقة أعادت صياغتها بطريقة درامية يصعب التحقق من نصوصها حرفيًا.

لكن المصادر الفلسطينية تتفق عمومًا على أن ظهوراته الأخيرة في حيفا ارتبطت بدعوات واضحة إلى مواجهة الحكم الاستعماري البريطاني.

وتنقل إحدى الروايات الشائعة أنه أعلن أمام أتباعه أن الوقت، بعد سنوات من التعليم والإعداد، قد حان لـ«الجهاد»، وهو المصطلح الذي استخدمه في الدعوة إلى العمل المسلح ضد الحكم البريطاني.

وفي 12 تشرين الثاني/نوفمبر 1935، غادر القسّام حيفا مع مجموعة صغيرة من رفاقه متجهًا إلى ريف قضاء جنين.

وتذكر المصادر الفلسطينية أنه أعلن الجهاد في تلك الليلة، ثم توجه مع أحد عشر من رفاقه إلى المناطق الحرجية المحيطة بـيعبد.

المعركة الأخيرة قرب يعبد

باشرت الشرطة والقوات البريطانية عمليات بحث واسعة بعد اكتشاف وجود مجموعة القسّام في ريف جنين.

وفي 20 تشرين الثاني/نوفمبر 1935، حاصرت القوات البريطانية القسّام وعددًا من رفاقه في التلال والأحراج القريبة من بلدة يعبد.

وكانت القوة البريطانية أكبر عددًا وتسليحًا من المجموعة القسّامية الصغيرة.

ورفض القسّام الاستسلام، واندلعت مواجهة مسلحة استمرت عدة ساعات. وتختلف المصادر في تحديد مدتها بدقة؛ إذ تذكر بعض المصادر الفلسطينية أنها استمرت نحو ست ساعات، بينما تذكر دراسة أخرى منشورة لدى مؤسسة الدراسات الفلسطينية أنها استمرت نحو ثلاث ساعات.

كما تختلف المصادر في تفصيل عدد قتلى المجموعة. وتذكر PalQuest أن عزّ الدين القسّام قُتل مع أربعة من رفاقه وأن بقية أفراد المجموعة جُرحوا أو أُسروا، بينما يورد التقرير السنوي البريطاني عن سنة 1935 أن أربعة من أفراد المجموعة قُتلوا وخمسة أُسروا، مع اعتقال شخص آخر لاحقًا.

وقدمت السلطات البريطانية المواجهة باعتبارها عملية أمنية ضد مجموعة مسلحة سرية. أما في الذاكرة الفلسطينية، فتحول موت القسّام إلى رمز لقائد اختار المواجهة المسلحة مع الحكم الاستعماري بدل الاستسلام.

جنازة القسّام في حيفا

انتشر خبر مقتل عزّ الدين القسّام بسرعة في أنحاء فلسطين.

وفي 21 تشرين الثاني/نوفمبر 1935، شهدت حيفا إضرابًا عامًا، وأغلقت الحوانيت والمتاجر والمطاعم أبوابها، وشارك آلاف الفلسطينيين في تشييع القسّام ورفاقه.

ووصفت مصادر فلسطينية معاصرة الجنازة بأنها واحدة من أضخم الجنازات التي عرفتها مدينة حيفا حتى ذلك الوقت.

ودُفن القسّام في مقبرة بلد الشيخ في قضاء حيفا.

وحولت الجنازة مقتله من حادثة عسكرية محلية إلى حدث سياسي فلسطيني واسع، وانتشرت الدعوات إلى مواصلة مقاومة الحكم البريطاني والاستيطان الصهيوني.

من إستشهاد القسّام إلى الثورة الفلسطينية الكبرى

لم يكن مقتل عزّ الدين القسّام السبب الوحيد أو المباشر لاندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى بعد عدة أشهر. فقد كان المجتمع الفلسطيني يعيش بالفعل أزمة عميقة بسبب السياسات الاستعمارية البريطانية، واتساع الهجرة والاستيطان الصهيونيين، وانتقال الأراضي، والبطالة، والإحباط السياسي، وتصاعد المطالب بالاستقلال الوطني.

لكن مقتله أصبح واحدًا من أبرز الأحداث التي أسهمت في زيادة التعبئة الشعبية خلال الأشهر التي سبقت الثورة.

وظل عدد من أتباعه الناجين ناشطين، وأثرت تجربته في مجموعات مسلحة شاركت لاحقًا في المقاومة الفلسطينية.

وفي نيسان/أبريل 1936، جاءت سلسلة من عمليات القتل والهجمات الانتقامية، أعقبتها مظاهرات وإضراب عام واسع، ثم تطورت المواجهة إلى الثورة الفلسطينية الكبرى بين عامي 1936 و1939، التي كانت من أكبر الانتفاضات المناهضة للاستعمار خلال فترة الانتداب البريطاني على فلسطين.

وواجهت الثورة الحكم البريطاني والمشروع الصهيوني المتوسع، ورفعت مطالب شملت وقف الهجرة اليهودية، وتقييد انتقال الأراضي، وتحقيق الاستقلال الوطني الفلسطيني.

افتح المقال على شكل PDF

اقرأ أيضاً من الأرشيف

شارك هذا المقال

تحميل تطبيق فلسطيننا الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.

التعليقات

2 تعليق

  1. زائر

    سيرة ملهمة في الوعي والمقاومة

  2. زائر

    عز الدين القسام… الاسم الذي ما زال يُرعب الاحتلال بعد 90 عامًا.

أضف تعليقك

الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.