كتاب هيربرت صاموئيل مذكرة سرية بعنوان "مستقبل فلسطين" للحكومة البريطانية
مذكرة هربرت صموئيل السرية «مستقبل فلسطين» إلى الحكومة البريطانية
في مطلع عام 1915، خلال الحرب العالمية الأولى، أعدّ السياسي البريطاني هربرت صموئيل، وهو عضو يهودي في مجلس الوزراء البريطاني كان قد أصبح متعاطفًا مع الصهيونية، مذكرة سرية بعنوان «مستقبل فلسطين» (The Future of Palestine).
وُزعت نسخة أولى من المذكرة في كانون الثاني/يناير 1915، ثم أعد صموئيل نسخة منقحة في آذار/مارس 1915. وجاءت الوثيقة في وقت كانت فيه بريطانيا وبقية دول الحلفاء تناقش بالفعل مستقبل أراضي الدولة العثمانية وكيفية توزيع النفوذ فيها في حال هزيمتها في الحرب.
وكانت مذكرة صموئيل من أقدم الوثائق التي ظهرت على مستوى رفيع داخل الحكومة البريطانية وربطت بين المصالح الإمبراطورية البريطانية في فلسطين وبين تطلعات الحركة الصهيونية.
تكتسب الوثيقة أهمية خاصة لأنها تكشف أن مستقبل فلسطين السياسي والديموغرافي كان موضع نقاش داخل دوائر الحكم البريطانية قبل سنوات من صدور وعد بلفور، من دون مشاركة الشعب الفلسطيني في تقرير مستقبل بلاده.
مقترحات مذكرة «مستقبل فلسطين»
بحث صموئيل عدة ترتيبات محتملة لمستقبل فلسطين بعد الهزيمة المتوقعة للدولة العثمانية، من بينها إخضاع فلسطين للسيطرة الفرنسية، أو وضعها تحت إدارة دولية، أو إبقاؤها تحت الحكم العثماني مع ضمانات جديدة، أو ضمها إلى مصر.
لكن الخيار الذي فضّله كان أن تصبح فلسطين تحت السيطرة البريطانية المباشرة وأن تُضم إلى الإمبراطورية البريطانية.
ورأى صموئيل أن هذا الترتيب يمكن أن يخدم المصالح الإمبراطورية البريطانية، وفي الوقت نفسه يوفّر الإطار السياسي الملائم لأهداف الحركة الصهيونية. وكتب أن الحل الذي سيحظى بأكبر ترحيب لدى قادة الحركة الصهيونية ومؤيديها في أنحاء العالم هو:
“ضم البلاد إلى الإمبراطورية البريطانية.”
واقترح صموئيل أنه تحت الحكم البريطاني ينبغي أن تُمنح المؤسسات اليهودية تسهيلات لـشراء الأراضي، وإقامة المستعمرات، وإنشاء المؤسسات التعليمية والدينية، والمساهمة في ما وصفه بالتنمية الاقتصادية لفلسطين.
كما دعا إلى منح الهجرة اليهودية المنظمة معاملة تفضيلية. وتصور في مذكرته عملية تدريجية يزداد خلالها عدد السكان اليهود إلى أن يصبحوا أغلبية في البلاد، وعندها يمكن، وفق تصوره، منحهم درجة من الحكم الذاتي بحسب الظروف السائدة في ذلك الوقت.
ولم يقترح صموئيل، بذلك، إقامة دولة يهودية مستقلة بصورة فورية. فقد أقرّ بأن اليهود كانوا ما يزالون أقلية من سكان فلسطين، وحذر من أن إخضاع الأغلبية العربية مباشرة لحكومة تعتمد على أقلية يهودية أصغر بكثير قد يؤدي إلى اضطرابات ومواجهة داخلية.
أما البديل الذي اقترحه فكان تدريجيًا: تتولى الإمبراطورية البريطانية السيطرة السياسية على فلسطين، بينما توفر هذه السيطرة الإطار الذي يسمح بتوسع الهجرة اليهودية، وشراء الأراضي، والاستيطان، وبناء المؤسسات على مدى زمني طويل.
فلسطين في الرؤية الإمبراطورية لصموئيل
لم تقدم المذكرة السيطرة البريطانية على فلسطين بوصفها دعمًا للحركة الصهيونية فحسب، بل ربطها صموئيل كذلك بالمصالح الاستراتيجية البريطانية المباشرة.
واكتسب موقع فلسطين الجغرافي أهمية خاصة في تصوره بسبب قربها من مصر وقناة السويس، التي كانت واحدة من أهم شرايين الإمبراطورية البريطانية وطريقًا حيويًا للاتصال بالهند وبقية الممتلكات البريطانية في آسيا.
ورأى صموئيل أن سيطرة بريطانيا على فلسطين من شأنها تعزيز الدفاع عن مصر وقناة السويس، ومنع قوة أوروبية كبرى منافسة من التمركز بالقرب من الحدود الشرقية لمصر.
وكتب أن وجود قوة أوروبية معادية في فلسطين الجنوبية يمكن أن يشكل خطرًا عسكريًا على قناة السويس، بينما يجعل وجود فلسطين تحت السيطرة البريطانية منها موقعًا متقدمًا للدفاع عن مصر والمصالح الإمبراطورية البريطانية.
وكُتبت المذكرة كذلك بلغة تعكس بوضوح الفكر الاستعماري الأوروبي السائد في تلك المرحلة. فقد قدّم صموئيل بريطانيا بوصفها قوة قادرة على «تمدين» البلاد التي وصفها بأنها متأخرة، وصوّر المجتمع المحلي الفلسطيني من خلال افتراضات أبوية واستعمارية كانت شائعة في الخطاب الإمبراطوري الأوروبي.
ومن المنظور الفلسطيني، تكشف هذه اللغة طبيعة التصور الذي حَكَم المذكرة: فقد جرى التعامل مع فلسطين أساسًا بوصفها إقليمًا يمكن تقرير مستقبله وفق الحسابات الاستراتيجية البريطانية والتطلعات الصهيونية، لا بوصفها وطنًا لشعب يملك الحق في تقرير مستقبله السياسي.
الهجرة اليهودية وصناعة أغلبية مستقبلية
كانت إحدى أكثر فقرات مذكرة صموئيل أهمية وتأثيرًا تلك المتعلقة بإحداث تغيير ديموغرافي في فلسطين.
فقد اقترح تسهيل الهجرة اليهودية تحت الحكم البريطاني ومنحها أفضلية منظمة، بحيث يتزايد عدد اليهود بمرور الوقت حتى يصبحوا أغلبية مستقرة في البلاد. وعند الوصول إلى تلك المرحلة، رأى أن الظروف قد تسمح بمنح هذه الأغلبية درجة من الحكم الذاتي.
ولم يكن هذا مجرد اقتراح بتوفير ملجأ لمهاجرين أفراد، بل تصورًا لمسار سياسي يربط بين الهجرة، وشراء الأراضي، وإقامة المستعمرات، والنمو الديموغرافي، والحماية البريطانية، والحكم الذاتي في المستقبل.
وتحمل هذه الفكرة وزنًا تاريخيًا خاصًا في القراءة الفلسطينية؛ فقد كان العرب الفلسطينيون يشكلون الأغلبية الواضحة من سكان البلاد، بينما كانت المذكرة تتصور تغيير هذا التوازن السكاني تدريجيًا من خلال هجرة تُشجَّع وتُحمى بواسطة قوة إمبراطورية أجنبية.
وكان صموئيل واضحًا في هذه النقطة، إذ كتب أن الهجرة اليهودية ينبغي أن تُمنح أفضلية «حتى يصبح الشعب اليهودي، بمرور الوقت، أغلبية مستقرة في البلاد»، ثم يمكن النظر في منحه قدرًا من الحكم الذاتي.
تمهيد مبكر لوعد بلفور
لم تكن مذكرة «مستقبل فلسطين» سياسة بريطانية رسمية في حد ذاتها، كما لم يحظَ كل ما اقترحه صموئيل بتأييد أعضاء الحكومة البريطانية. فقد قابل رئيس الوزراء هربرت هنري أسكويث (H. H. Asquith) المقترحات بتشكك واضح، ودوّن في يومياته اعتراضه على فكرة ضم فلسطين وتحويلها إلى مركز لملايين المهاجرين اليهود.
ومع ذلك، مثّلت المذكرة محطة مبكرة مهمة في إدخال فكرة الرعاية البريطانية للمشروع الصهيوني في فلسطين إلى النقاشات الجارية في أعلى مستويات الحكومة.
وبعد نحو عامين، في 2 تشرين الثاني/نوفمبر 1917، أصدرت بريطانيا وعد بلفور، وأعلنت فيه أن الحكومة البريطانية تنظر بعين العطف إلى إقامة «وطن قومي للشعب اليهودي» في فلسطين.
ولذلك ينبغي فهم مذكرة صموئيل باعتبارها واحدة من المقدمات السياسية المهمة لوعد بلفور، لا باعتبارها مصدره الوحيد. فقد سبقت الإعلان بعدة أفكار أصبحت لاحقًا عناصر أساسية في السياسة البريطانية تجاه فلسطين: السيطرة البريطانية على البلاد، ودعم الاستيطان الصهيوني، وتسهيل الهجرة اليهودية، وبناء المؤسسات اللازمة لإنشاء وجود قومي يهودي منظم فيها.
هربرت صموئيل مندوبًا ساميًا في فلسطين
ازدادت الأهمية التاريخية للمذكرة عندما عُيّن هربرت صموئيل في عام 1920 أول مندوب سامٍ مدني لبريطانيا في فلسطين، وظل في منصبه حتى عام 1925.
وجاء تعيينه قبل أن تعتمد عصبة الأمم رسميًا صك الانتداب البريطاني على فلسطين، إذ تولى مهامه في 1 تموز/يوليو 1920 في الوقت الذي كانت بريطانيا قد بدأت بالفعل في إقامة إدارة مدنية جديدة في البلاد.
وخلال الأشهر الأولى من هذه الإدارة، صدرت في آب/أغسطس 1920 أول أنظمة الهجرة التي وضعت إطارًا قانونيًا جديدًا لتنظيم دخول المهاجرين إلى فلسطين، وفتحت الطريق أمام استمرار الهجرة اليهودية تحت سلطة الإدارة البريطانية.
وفي السنوات التالية، تمكنت المؤسسات الصهيونية السياسية والاقتصادية والاجتماعية من التوسع في ظل الحكم البريطاني، في حين اصطدمت المعارضة الفلسطينية للصهيونية والمطالب بإقامة حكومة تمثيلية وتحقيق حق تقرير المصير مرارًا بالسياسة البريطانية في البلاد.
من مذكرة «مستقبل فلسطين» إلى النكبة
لا يمكن اختزال النكبة الفلسطينية في مذكرة واحدة كُتبت قبل أكثر من ثلاثة عقود، كما لا يمكن اعتبار جميع التطورات اللاحقة تنفيذًا حرفيًا لمقترحات صموئيل. لكن الوثيقة تكشف بصورة مبكرة عن تصور سياسي كان يربط بين السيطرة البريطانية على فلسطين، وتشجيع الهجرة اليهودية، وشراء الأراضي، وإقامة المستعمرات، والتغيير الديموغرافي التدريجي.
وخلال العقود التالية، أصبحت فلسطين تحت الاحتلال ثم الانتداب البريطاني إطارًا توسعت داخله المؤسسات الصهيونية والهجرة والاستيطان، في الوقت الذي واصل فيه الفلسطينيون المطالبة بالاستقلال وحق تقرير المصير ومقاومة انتقال أراضيهم والسياسات التي تهدد مستقبلهم الوطني.
وبين عامي 1947 و1949، دخل المشروع الصهيوني مرحلة حاسمة تمثلت في احتلال أجزاء واسعة من فلسطين والنكبة الفلسطينية. فقد هُجّر نحو ثلاثة أرباع مليون فلسطيني من مدنهم وقراهم، ودُمّرت أو أُفرغت مئات التجمعات الفلسطينية من سكانها، وأُقيمت دولة إسرائيل عام 1948 على القسم الأكبر من فلسطين الانتدابية.
اقرأ أيضاً من الأرشيف
تحميل تطبيق فلسطيننا
الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.
أضف تعليقك
الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.