أصدر الكاتب الفلسطيني نجيب نصار صحيفة "الكرمل" المناهضة للصهيونية
الكاتب الفلسطيني نجيب نصّار يطلق صحيفة «الكرمل» المناهضة للصهيونية
تأسست صحيفة «الكرمل» الفلسطينية في مدينة حيفا سنة 1908 على يد الصحفي والكاتب نجيب نصّار، وأصبحت واحدة من أبرز منابر الصحافة الفلسطينية المبكرة، ومن أوائل الصحف التي حذرت بصورة منهجية ومتواصلة من آثار الاستيطان الصهيوني وشراء الأراضي في فلسطين.
اهتمت الصحيفة بالقضايا السياسية والاجتماعية، مع تركيز خاص على حماية الأراضي الفلسطينية من السماسرة والوكلاء المرتبطين بعمليات شراء الأراضي لمصلحة الحركة الصهيونية، كما أولت اهتمامًا بأوضاع الفلاحين الفلسطينيين وسكان الريف وحقوقهم، إدراكًا لأهمية الأرض في حياة المجتمع الفلسطيني ومستقبله.
نجيب نصّار والاستجابة الفلسطينية المبكرة للصهيونية
كان نجيب نصّار من أوائل المثقفين والصحفيين الفلسطينيين الذين درسوا الصهيونية بصورة منهجية وحاولوا تعريف المجتمع الفلسطيني بأهدافها السياسية والاستيطانية وآثارها المحتملة على الأرض والسكان.
وقد تعرّف نصّار عن قرب إلى آثار الاستيطان الصهيوني على الفلاحين خلال عمله في الزراعة وامتلاكه أرضًا في منطقة طبريا. وبعد تأسيس «الكرمل»، جعل من صفحاتها منبرًا دائمًا لمتابعة النشاط الصهيوني والتحذير من انتقال الأراضي الفلسطينية إلى المؤسسات والمستوطنين الصهاينة.
ونشر سلسلة من المقالات حول الصهيونية جمعها في تشرين الأول/أكتوبر 1911 في كتاب بعنوان «الصهيونية: تاريخها، غرضها، أهميتها»، واعتمد في جزء من مادته على ما نشرته «الموسوعة اليهودية» نفسها عن الحركة الصهيونية، بهدف تعريف القارئ العربي بأفكار الحركة وبرامجها من مصادرها.
ودعا نصّار أصحاب الأراضي العرب إلى المحافظة على الأرض وعدم نقلها إلى الصهاينة، ورأى أن حماية فلسطين لا يمكن أن تقتصر على الخطاب السياسي وحده، بل تحتاج أيضًا إلى تقوية أوضاع السكان الزراعية والاقتصادية والتعليمية وتنظيم المجتمع سياسيًا.
وفي عام 1913، دعا إلى إنشاء «جمعية وطنية» يكون مركزها مدينة نابلس، وهدفها، بحسب تصوره، «حفظ البلاد لأهلها» من خلال تطوير شؤونهم الزراعية والاقتصادية والعلمية وتعزيز التضامن الاجتماعي بينهم.
الصدام مع السلطات العثمانية
في بدايات نشاطه السياسي، أبدى نجيب نصّار تأييدًا للمرحلة الدستورية الجديدة التي أعقبت إعادة العمل بالدستور العثماني سنة 1908، لكنه أصبح لاحقًا أكثر انتقادًا للسلطات العثمانية، ولا سيما بسبب القيود السياسية وملاحقة القوميين العرب.
وأدت مواقفه الصحفية إلى صدام متكرر مع السلطات. ففي حزيران/يونيو 1909، أوقفت السلطات العثمانية صحيفة «الكرمل» عن الصدور لمدة شهرين، وفي سنة 1910، أمرت وزارة العدل في إسطنبول بمحاكمته على خلفية اتهامات بأن كتاباته تثير الانقسامات والتحريض، إلا أن المحكمة برأته من هذه التهمة.
ومع تصاعد التوتر السياسي قبيل الحرب العالمية الأولى، تعرضت الصحيفة لمزيد من القيود والانقطاعات. وخلال سنوات الحرب، لاحقت السلطات العثمانية نصّار بسبب معارضته لسياسات جمال باشا، فاضطر إلى الاختفاء والتنقل متخفيًا في عدد من مناطق فلسطين وشرقي الأردن، قبل أن يعود مع اقتراب نهاية الحكم العثماني.
«الكرمل» في عهد الانتداب البريطاني
بعد الاحتلال البريطاني لفلسطين، أعاد نجيب نصّار إصدار «الكرمل»، وواصل من خلالها معارضة الاستيطان الصهيوني والتحذير من بيع الأراضي والدعوة إلى تنظيم الفلسطينيين والعرب سياسيًا واقتصاديًا.
وخلال فترة الانتداب، تحولت الصحيفة إلى منبر لانتقاد كل من المشروع الصهيوني والسياسة الاستعمارية البريطانية في فلسطين. ورأى نصّار أن السياسات البريطانية توفر الظروف السياسية والمؤسساتية التي تسمح للمشروع الصهيوني بالتوسع، في الوقت الذي تُحرم فيه الأغلبية الفلسطينية من حقها في تقرير المصير وإقامة حكومة وطنية تمثلها.
وفي عام 1934، أصبح اسم الصحيفة «الكرمل الجديد»، واستمرت في خطها المناهض للصهيونية والانتداب البريطاني.
كما تعرضت الصحيفة لضغوط سياسية ومالية متكررة. وتختلف المصادر بشأن التاريخ الدقيق لتوقفها النهائي؛ فبعض الروايات تشير إلى توقفها سنة 1942 نتيجة الضائقة المالية والظروف السياسية، بينما تذكر مصادر فلسطينية أن سلطات الانتداب البريطاني كانت قد عطلتها عدة مرات ثم أغلقتها نهائيًا سنة 1944 في ظل أنظمة الطوارئ والأحكام العرفية التي فرضت خلال الحرب العالمية الثانية.
ساذج نصّار ودورها في «الكرمل»
كان حضور ساذج نصّار في الصحيفة جزءًا مهمًا من تاريخها اللاحق. فإلى جانب مشاركتها في التحرير والإدارة، اهتمت بقضايا المرأة والمجتمع والعمل الوطني، وأصبحت من رائدات النشاط النسائي والسياسي الفلسطيني.
وفي سنة 1938، اعتقلتها سلطات الانتداب البريطاني بتهمة مساعدة الثوار الفلسطينيين خلال الثورة الفلسطينية الكبرى، ووصفتها السلطات البريطانية في وثائقها بأنها شخصية «خطرة جدًا» و«محرضة بارزة». وظلت معتقلة نحو أحد عشر شهرًا، لتصبح من أوائل النساء الفلسطينيات اللواتي تعرضن للاعتقال بسبب نشاطهن الوطني.
«الكرمل» صوتًا للدفاع عن فلسطين
لا تكمن الأهمية التاريخية لصحيفة «الكرمل» في كونها واحدة من الصحف الفلسطينية المبكرة فحسب، بل في الدور الذي أدته في تشكل وعي سياسي فلسطيني مبكر تجاه الصهيونية والاستيطان وانتقال ملكية الأراضي.
ففي وقت كانت فيه المؤسسات الصهيونية توسع نشاطها في مجالات الهجرة وشراء الأراضي وإقامة المستعمرات، استخدم نجيب نصّار الصحافة لتحذير المجتمع الفلسطيني من النتائج بعيدة المدى لفقدان السيطرة على الأرض.
ودعا الفلسطينيين إلى تقوية أوضاعهم الزراعية والاقتصادية، ومقاومة انتقال الأراضي إلى الصهاينة، وتنظيم أنفسهم سياسيًا، وفهم الصهيونية لا باعتبارها مجرد حركة هجرة يهودية إلى فلسطين، بل حركة تحمل أهدافًا سياسية وإقليمية مرتبطة بمستقبل البلاد.
ومن خلال «الكرمل»، أصبحت الصحافة الفلسطينية ميدانًا مبكرًا للمقاومة السياسية والفكرية قبل عقود من وصول المواجهة على فلسطين إلى المرحلة التي انتهت بـالنكبة الفلسطينية عام 1948.
وقد توفي نجيب نصّار في 3 آذار/مارس 1948، قبل أسابيع قليلة من احتلال القوات الصهيونية مدينة حيفا وقرية بلد الشيخ التي كان يقيم فيها. وبذلك لم يعش ليرى النكبة التي جاءت في العام نفسه، حين هُجّر مئات آلاف الفلسطينيين ودُمّرت أو أُفرغت مئات القرى والبلدات الفلسطينية؛ وهي تحولات جسدت على نطاق واسع كثيرًا من المخاوف التي ظل يحذر منها طوال عقود من عمله الصحفي والسياسي.
أما ساذج نصّار، فقد أصبحت هي نفسها لاجئة بعد النكبة، وانتقلت إلى لبنان ثم إلى سورية، حيث واصلت الكتابة عن فلسطين وما أصاب شعبها.
وتشير بعض الروايات الفلسطينية اللاحقة إلى أن اسم «الكرمل» أُعيد إطلاقه في صيغة إلكترونية سنة 2011، بعد عقود من توقف الصحيفة الأصلية.
اقرأ أيضاً من الأرشيف
تحميل تطبيق فلسطيننا
الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.
أضف تعليقك
الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.