فلسطيننا

الجدول بعرض الصفحة

مقال

هند رجب.. حين يحتاج إنقاذ طفلة إلى إذن من قاتلها

هند رجب.. حين يحتاج إنقاذ طفلة إلى إذن من قاتلها

هند رجب: ثلاث ساعات بانتظار الإذن

صورة الطفلة الفلسطينية هند رجب
هند رجب (2018 – 2024). الصورة: بإذن من غادة عجيل، عبر الجزيرة.

اسمها هند رجب. وُلدت في 3 مايو/أيار 2018، وعاشت مع عائلتها في حي تل الهوى بمدينة غزة.

تقول أمها إن هند كانت تحلم بأن تصبح طبيبة، لأنها لم تكن تريد أن يتأذى أحد. وكانت الأم تتمنى أن تراها يومًا بالمعطف الأبيض، تعالج الأطفال كما حلمت.

في 29 يناير/كانون الثاني 2024، كان عمرها خمس سنوات. وفي ذلك اليوم، بقيت عالقة في سيارة بين جثث أقاربها، تتحدث عبر الهاتف مع متطوعي الهلال الأحمر الفلسطيني لساعات، وتطلب منهم أن يأتوا لأخذها.

لم يصل إليها أحد.

في مقال سابق عن فيلم NAZA، تحدثنا عن محلل استخبارات لديه نحو 20 ثانية ليوافق على ضربة قد تقتل عائلة كاملة. قصة هند تضعنا أمام الجهة المعاكسة تمامًا من المعادلة:

قرار القتل:     ~20 ثانية
قرار الإنقاذ:   ~3 ساعات

صباح 29 يناير 2024

أصدر جيش الاحتلال الإسرائيلي أوامر إخلاء لغرب مدينة غزة. وبحسب تحقيق صحيفة واشنطن بوست، انطلق عم هند، بشار حمادة، بسيارته الكيا السوداء في الساعة 9:32 صباحًا، ومعه زوجته وأطفالهما الأربعة، وهند، وأخوها الأصغر إياد.

أما الأم وسام حمادة، فخرجت مع آخرين من العائلة سيرًا على الأقدام.

في اللحظة الأخيرة، قفز إياد من السيارة ليبقى مع أمه. هذا القرار الصغير أنقذ حياته. أما وسام، فلم ترَ ابنتها حية بعد ذلك اليوم.

بعد نحو 400 متر فقط من الانطلاق، فتحت قوات الاحتلال الصهيوني النار على السيارة. قُتل العم والعمة وثلاثة من أبناء العمومة. وبقيت على قيد الحياة طفلتان: هند، وابنة عمها ليان حمادة، 15 عامًا.

طفل يمشي قرب سيارة عائلة هند رجب في مدينة غزة بعد العثور عليها
سيارة عائلة هند في مدينة غزة يوم العثور عليها، 10 فبراير 2024. الصورة: Reuters.

الصوت

اتصلت ليان بأقاربها، وهم اتصلوا بالهلال الأحمر. وقرابة الساعة 2:30 بعد الظهر، وصل إليها عمر القم، المتطوع في غرفة العمليات المركزية للهلال الأحمر.

غرفة العمليات لم تكن في غزة. كانت في رام الله، على بعد نحو 90 كيلومترًا.

قالت ليان إنهم يُطلق عليهم النار، وإن الدبابة بجانبها. ثم صرخت، وسُمعت سلسلة من الطلقات، وانقطع صوتها.

اتصل الهلال الأحمر مجددًا فورًا. هذه المرة، ردّت هند.

كانت مصابة، والوحيدة الباقية على قيد الحياة في السيارة.


رنا وهند

تولّت المكالمة رنا فقيه، مسؤولة الاستجابة في غرفة العمليات. بقيت على الخط مع هند لساعات، تحاول أن تبقيها هادئة ومستيقظة.

قرأتا القرآن معًا. ولعبتا ألعاب العدّ حتى تنشغل هند عما حولها. ومع حلول الليل، قالت هند إنها تخاف من العتمة.

وحين تحدثت هند مع أمها، قالت إنها متعبة وعطشى ومصابة، وطلبت منها ألا تتركها وحدها.


اليوم دقيقة بدقيقة

بحسب تحقيقات واشنطن بوست وForensic Architecture وشهادات الهلال الأحمر:

  1.   — السيارة تنطلق

    العم بشار حمادة يقود السيارة مع زوجته وأطفالهما الأربعة وهند. إياد يقفز من السيارة في اللحظة الأخيرة ويبقى مع أمه.

  2. بعد نحو 400 متر — إطلاق النار

    دبابات جيش الاحتلال تطلق النار على السيارة. يُقتل خمسة من الركاب. هند وليان على قيد الحياة.

  3.   — ليان على الخط

    عمر القم يصل إلى ليان. تقول إن الدبابة بجانبها. تُطلق النار وينقطع صوتها.

  4. الساعات التالية — هند وحدها

    هند على الخط مع رنا فقيه. الهلال الأحمر يطلب التنسيق لإرسال إسعاف من المستشفى الأهلي العربي، على بعد 3 كيلومترات فقط.

  5.   — وصول الإذن

    بعد الغروب بقليل، تصل الموافقة. ينطلق المسعفان يوسف زينو وأحمد المدهون من المستشفى الأهلي.

  6. قبل — قصف الإسعاف

    الإسعاف يصل إلى المكان، وتصيبه قذيفة دبابة من عيار 120 ملم. يُقتل المسعفان. ينقطع الاتصال بهما.

  7. بين و — صمت

    هند تنزف وتفقد وعيها. ينقطع صوتها.

  8.   — بعد 12 يومًا

    بعد انسحاب قوات الاحتلال، يعثر صحفيون وطواقم الدفاع المدني على جثمان هند وأقاربها في السيارة، وعلى الإسعاف المحترق على بعد نحو 50 مترًا منها.

من الاتصال الأول بليان إلى وصول الإذن: أكثر من ثلاث ساعات. والمسافة التي كان على الإسعاف أن يقطعها: 3 كيلومترات.

البروتوكول: خط إنتاج معكوس

لماذا لم ينطلق الإسعاف فورًا؟

في مقال NAZA رسمنا «خط إنتاج» الأهداف: بيانات، ثم تصنيف، ثم تتبّع، ثم موافقة، ثم ضربة. كل مرحلة مصممة لتكون أسرع.

قصة هند تكشف خطًا آخر، يسير في الاتجاه المعاكس: خط إنتاج الإذن بالإنقاذ.

مكالمة استغاثة
      ↓
غرفة عمليات الهلال الأحمر
      ↓
طلب تنسيق عبر وسطاء
      ↓
منسق أعمال حكومة الاحتلال (COGAT)
      ↓
انتظار...
      ↓
موافقة + خريطة + مسار محدد
      ↓
انطلاق الإسعاف

في غزة، لا تستطيع سيارة إسعاف أن تتحرك في منطقة عمليات عسكرية دون «تنسيق». أي أن حياة المصاب لا تعتمد فقط على قرب الإسعاف، بل على سرعة رد جيش الاحتلال نفسه، الذي يرتكب الإبادة الجماعية في غزة.

وجيش الاحتلال هذا لم يستهدف إسعاف هند وحده. فقد استهدفت قوات الاحتلال الصهيوني سيارات الإسعاف والطواقم الطبية في غزة مرة بعد مرة، طوال الإبادة الجماعية:

  • بحسب منظمة الصحة العالمية، قُتل أكثر من 1,700 من العاملين في القطاع الصحي في غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، من أطباء وممرضين ومسعفين.
  • بحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، تضررت 211 سيارة إسعاف بفعل هجمات الاحتلال، وخرج 22 مستشفى عن الخدمة.
  • في 23 مارس/آذار 2025، قتلت قوات الاحتلال 15 من عمال الإنقاذ في تل السلطان برفح، بينهم مسعفون من الهلال الأحمر الفلسطيني وعناصر من الدفاع المدني وموظف في الأمم المتحدة، ثم سحقت مركباتهم ودفنت جثامينهم في الرمال.

Latency: حين يكون التأخير قاتلًا

في هندسة الأنظمة، يسمى الزمن بين الطلب والاستجابة Latency.

في تطبيق عادي، Latency عالية تعني صفحة بطيئة. في نظام طوارئ، تعني موت المريض.

والمفارقة أن المنظومة نفسها قادرة على العمل بسرعة كبيرة. نظام مثل Where's Daddy? يرسل إشارة لحظة دخول شخص منزله. والمراجعة البشرية قبل الضربة قد تستغرق 20 ثانية.

طلب ضربة       →  استجابة خلال ثوانٍ
طلب إنقاذ طفلة  →  استجابة خلال ساعات

التأخير هنا ليس عطلًا تقنيًا. إنه أولوية. النظام سريع حيث يُراد له أن يكون سريعًا.

يوسف زينو وأحمد المدهون

كانا مسعفَين في طاقم الإسعاف التابع للهلال الأحمر الفلسطيني في غزة. وحين وصل الإذن، انطلقا في سيارة إسعاف واضحة العلامات، بمسار حدده جيش الاحتلال نفسه.

وصلا إلى المكان. ثم أصابت الإسعاف قذيفة دبابة من عيار 120 ملم، وقُتلا على الفور.

لأيام، لم يعرف أحد مصيرهما. وكان الهلال الأحمر ينشر كل يوم عدد الأيام التي مرت دون أخبار عن هند والمسعفَين.

عمر القم، الذي تحدث مع ليان ثم مع هند، قال عنهما إنه لن يلتقي أبطالًا مثلهما مرة أخرى: من النوع الذي يعرف أنه قد يموت، ومع ذلك يذهب.

هذه النقطة تقلب كل منطق «التنسيق».

المسعفون التزموا بالبروتوكول
      ↓
حصلوا على الموافقة
      ↓
سلكوا المسار المحدد
      ↓
قُتلوا

إذا كان البروتوكول هو ما يفترض أن يحمي الطاقم الطبي، وأدى الالتزام به إلى قتلهم، فماذا يبقى من البروتوكول؟

Double Tap

في مارس/آذار 2026، نشرت منظمة Avaaz تحليلًا قالت فيه إن هناك أدلة جوهرية على ما يسمى الضربة المزدوجة (Double Tap): هجوم أول، ثم هجوم ثانٍ على من يأتي للإنقاذ.

وأشار التحليل إلى أن نحو ثلاث ساعات فصلت بين إطلاق النار على العائلة وضرب الإسعاف، وهو وقت كافٍ، بحسب Avaaz، لتكوين صورة واضحة عن الموقف واتخاذ قرار على مستوى القيادة. ولم يُوجَّه أي تحذير قبل استهداف الطاقم الطبي. فالمسألة ليست سوء تقدير في لحظة فوضى. ثلاث ساعات هي زمن كافٍ ليعرف من في الدبابة ماذا يوجد أمامه.

الصوت كدليل: كيف تقيس مكالمة هاتفية المسافة إلى الدبابة؟

صوت هند وليان لم يكن مجرد نداء استغاثة. أصبح أيضًا دليلًا جنائيًا.

في أبريل/نيسان 2024، نشرت صحيفة واشنطن بوست تحقيقًا اعتمد على صور الأقمار الصناعية وشهادات ميدانية، ووجد 4 مركبات عسكرية لجيش الاحتلال على بعد أقل من 300 متر من موقع السيارة، دون أي أثر لاشتباك في المنطقة.

وفي يونيو/حزيران 2024، نشرت مجموعة Forensic Architecture التابعة لجامعة غولدسميث في لندن، بالتعاون مع منظمة Earshot المتخصصة في التحليل الصوتي وبرنامج Fault Lines على قناة الجزيرة، تحقيقًا أعاد بناء ما حدث.

الفيزياء البسيطة خلف التحليل

عندما تُطلق رصاصة أسرع من الصوت، يلتقط الميكروفون صوتين منفصلين:

  1. صوت الرصاصة نفسها وهي تشق الهواء قرب الميكروفون (Crack).
  2. صوت الانفجار من فوهة السلاح الذي يصل لاحقًا بسرعة الصوت (Muzzle Blast).

الفاصل الزمني بين الصوتين يعتمد على المسافة بين مطلق النار والميكروفون. كلما كان مطلق النار أقرب، كان الفاصل أقصر.

رصاصة 7.62 ملم (رشاش FN MAG على دبابة ميركافا)
سرعة الرصاصة: ~840 متر/ثانية
سرعة الصوت:   ~343 متر/ثانية

الفاصل المسجّل في المكالمة: 24 – 40 ميلي ثانية
                 ↓
المسافة: 13 – 23 مترًا فقط

بحسب التحليل، كانت الدبابة على بعد 13 إلى 23 مترًا من السيارة حين أُطلقت الطلقات التي قتلت ليان. وخلص التحقيق إلى أنه ليس من المعقول ألا يكون مطلق النار قد رأى أن في السيارة مدنيين، بينهم أطفال.

كلمات ليان الأخيرة كانت أن الدبابة بجانبهم. والتحليل الصوتي أكد ذلك حرفيًا.

وسام حمادة: الأم

كل من سمع تسجيل هند سمعه كمستمع. وحدها وسام سمعت ابنتها وهي تموت.

بعد أكثر من سنتين، تقول وسام إن الألم لا يزول مع الوقت، لكنه يتغير، وإنها تتعلم أن تعيش مع الفقد يومًا بيوم. وقد غادرت غزة لاحقًا، وتجوب العالم لتتحدث عن أثر الإبادة الجماعية على أطفال غزة.

حين قررت كوثر بن هنية صناعة فيلم عن هند، كان أول ما فعلته أن اتصلت بوسام لتأخذ موافقتها ومباركتها. ووافقت وسام، لأنها تؤمن أن السينما تستطيع أن تُظهر الحقيقة بعمق إنساني لا تصل إليه الأرقام والأخبار.

في آخر المكالمة، كان صوت هند يضعف. أخبرت أمها أنها لا تستطيع الكلام لأن فمها ينزف، لكنها لا تريد أن تمسحه، حتى لا تتعب أمها في التنظيف. فقالت لها وسام أن تمسحه، وأنها هي ستغسله لها. مسحت هند فمها بكمّها، ثم اختفى صوتها. تقول وسام إن ذلك كان عند السابعة مساءً تمامًا.

طفلة في الخامسة، محاصرة بين جثث عائلتها، وما زالت تفكر في ألا تُتعب أمها.

وتقول إن أصعب شعور في العالم أن تسمع ابنتها تطلب منها أن تأتي لأخذها، وهي لا تستطيع الوصول إليها. وما زالت تطلب من هند أن تسامحها.

ولهذا لا تستطيع وسام مشاهدة الفيلم. سماع صوت ابنتها ما زال مؤلمًا أكثر من أن يُحتمل.

وسام حمادة والدة هند رجب تشارك في فرد لوحة ضخمة تحمل صورة هند في برشلونة
وسام حمادة تشارك في فرد لوحة بطول 1000 متر تحمل صورة هند في برشلونة، 29 يناير 2026، في الذكرى الثانية لاستشهادها. الصورة: Kike Rincon / Europa Press عبر Getty Images.

وعن العدالة، تقول وسام إنها تطلبها بإبقاء قصة هند حية، وبرفض أن تتحول حياتها إلى «رقم أو خبر عاجل».

هند في قلب الإبادة الجماعية

قُتلت هند في 29 يناير/كانون الثاني 2024. قبل ذلك بثلاثة أيام فقط، في 26 يناير، أصدرت محكمة العدل الدولية أوامر تدابير مؤقتة في القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد الاحتلال بموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية. ألزمت المحكمة الاحتلال بمنع الأفعال التي تندرج تحت الاتفاقية، وبتمكين وصول المساعدات الإنسانية.

بعد ثلاثة أيام، احتاجت سيارة إسعاف ساعات لتحصل على إذن بالتحرك 3 كيلومترات لإنقاذ طفلة، ثم قُصفت.

ماذا تقول الهيئات الدولية؟

  • لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة خلصت في 16 سبتمبر/أيلول 2025 إلى أن الاحتلال ارتكب إبادة جماعية في غزة، وأن كبار مسؤوليه، ومنهم بنيامين نتنياهو، حرّضوا عليها.
  • وجدت اللجنة أن الاحتلال ارتكب أربعة من الأفعال الخمسة التي تعرّفها اتفاقية 1948: القتل، وإلحاق أذى جسدي أو نفسي خطير، وفرض ظروف معيشية يُقصد بها التدمير، وفرض تدابير لمنع الإنجاب.
  • سبقتها منظمة العفو الدولية في ديسمبر/كانون الأول 2024، ومنظمتا بتسيلم وأطباء لحقوق الإنسان الإسرائيليتان في يوليو/تموز 2025، والرابطة الدولية لباحثي الإبادة الجماعية في سبتمبر/أيلول 2025، وكلها توصلت إلى النتيجة نفسها.
  • قضية جنوب أفريقيا ما زالت منظورة أمام محكمة العدل الدولية. وحكومة الاحتلال ترفض هذه الاستنتاجات وتصف تقرير لجنة الأمم المتحدة بأنه مسيّس.

ما علاقة هند بذلك؟

جريمة الإبادة الجماعية لا تُقاس بحادثة واحدة، بل بنمط. وقصة هند تحمل عناصر هذا النمط كلها في يوم واحد: أمر إخلاء يدفع عائلة إلى الطريق، ونار على سيارة مدنية من مسافة تكفي لرؤية الأطفال، ونظام «تنسيق» يؤخر الإنقاذ، وقصف طاقم طبي حصل على الإذن، ثم سنتان ونصف من الإنكار.

لهذا تحولت هند إلى رمز. ليس لأن قصتها استثناء، بل لأنها نموذج.

هند واحدة من آلاف

هند هي الاسم الذي عرفه العالم من بين آلاف الأسماء التي لم يعرفها.

  • بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، قُتل أكثر من 20 ألف طفل في غزة خلال عامين من الإبادة الجماعية، دون احتساب آلاف المفقودين تحت الركام.
  • بحسب اليونيسف، قُتل أو أُصيب أكثر من 64 ألف طفل في غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
  • وحتى بعد إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، قالت اليونيسف في أغسطس/آب 2026 إن 300 طفل على الأقل قُتلوا خلال 300 يوم: طفل كل يوم تقريبًا.

كل واحد من هؤلاء كان له اسم، وأم، وحلم ما. الفرق أن هند تركت صوتها.

صوت هند يعبر العالم

نشر الهلال الأحمر الفلسطيني تسجيل المكالمة بينما كانت هند والمسعفان ما زالوا مفقودين، وأرفقه بنداء للمجتمع الدولي ليضغط من أجل السماح للطواقم بالوصول إليهم. أي أن العالم سمع صوت هند قبل أن يعرف أحد مصيرها.

وحين عُثر عليها بعد 12 يومًا، تحول الصوت إلى صدمة عالمية.

في أبريل/نيسان 2024، اعتصم طلاب في جامعة كولومبيا بنيويورك داخل قاعة «هاملتون هول»، ورفعوا لافتة تعيد تسميتها «قاعة هند» (Hind's Hall). وألهمت هذه التسمية أغنية بنفس الاسم لمغني الراب الأمريكي ماكليمور.

وأُسست باسمها مؤسسة هند رجب في بروكسل، التي تلاحق قانونيًا جنودًا وضباطًا في جيش الاحتلال بتهم جرائم حرب، ورفعت قضايا في نحو 30 دولة.

الفيلم

سجى كيلاني ومعتز ملحيس وكلارا خوري في مشهد من فيلم صوت هند رجب
سجى كيلاني ومعتز ملحيس وكلارا خوري في فيلم «صوت هند رجب». الصورة: Willa.

ثم جاءت السينما. فيلم The Voice of Hind Rajab (صوت هند رجب) من كتابة وإخراج التونسية كوثر بن هنية، مخرجة «بنات ألفة» و«الرجل الذي باع ظهره».

الفيلم لا يُظهر هند. كل شيء يحدث داخل غرفة العمليات في رام الله، من وجهة نظر المتطوعين. معتز ملحيس يجسد عمر القم، وسجى كيلاني تجسد رنا فقيه، وكلارا خوري تجسد نسرين قواس، مديرة الصحة النفسية والدعم النفسي في الهلال الأحمر. لكن صوت هند في الفيلم هو صوتها الحقيقي، من التسجيلات الأصلية.

ولكي تكون ردود الفعل حقيقية، حرصت المخرجة على ألا يسمع الممثلون تسجيلات هند قبل بدء التصوير.

عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان البندقية في سبتمبر/أيلول 2025، وحصل على جائزة لجنة التحكيم الكبرى (الأسد الفضي)، بعد تصفيق وقوفًا استمر نحو 23 دقيقة، وُصف بأنه الأطول في تاريخ المهرجان. ورُشّح لجائزتي غولدن غلوب والأوسكار لأفضل فيلم دولي، لتصبح بن هنية أول امرأة عربية تنال ثلاثة ترشيحات للأوسكار.

لم يفز الفيلم بالأوسكار. لكن صوت هند وصل إلى قاعات السينما في أنحاء العالم، وهذا ما أرادت المخرجة أن يحدث.

من الإنكار إلى الاعتراف: سنتان ونصف

رواية جيش الاحتلال الرسمية لم تبقَ ثابتة. يمكن تتبّعها كسلسلة إصدارات (Versions):

v1  →  (فبراير 2024) القوات لم تكن قرب السيارة ولا ضمن مدى إطلاق النار
v2  →  الـ335 رصاصة نتيجة تبادل إطلاق نار مع مقاتلين فلسطينيين
v3  →  (أغسطس 2026) اعتراف بإطلاق النار على السيارة، وفتح تحقيق جنائي

حتى الإصدار الأول تناقض مع الجيش نفسه: بحسب Sky News، نشر جيش الاحتلال بعد 12 يومًا من مقتل هند بيانًا صحفيًا ومقاطع فيديو تُظهر وحداته في المنطقة، ثم حُذف البيان من موقعه لاحقًا.

وبين الإصدار الأول والأخير، تراكمت الأدلة من خارج المؤسسة العسكرية:

  • تحقيق واشنطن بوست في أبريل/نيسان 2024.
  • تحقيق Forensic Architecture وEarshot والجزيرة في يونيو/حزيران 2024.
  • خبراء في الأمم المتحدة وصفوا مقتل هند وعائلتها في يوليو/تموز 2024 بأنه جريمة حرب.
  • شكوى مؤسسة هند رجب إلى المحكمة الجنائية الدولية في 3 مايو/أيار 2025، يوم كانت هند ستُكمل عامها السابع، وسمّت فيها قائد اللواء المدرع 401 بني أهارون.
  • وثائقي الجزيرة «ما خفي أعظم» في أكتوبر/تشرين الأول 2025، الذي حدد السرية والكتيبة المسؤولتين، وتلاه ملف من 120 صفحة إلى المحكمة الجنائية الدولية يسمّي 24 جنديًا وضابطًا.

في أغسطس/آب 2026، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي لأول مرة أن قواته أطلقت النار على سيارة العائلة، وفتح تحقيقًا جنائيًا. لكنه قال إن الجنود أطلقوا النار على مركبة «تقترب»، وأشار إلى إخفاقات في تنسيق حركة سيارة الإسعاف.

لاحظ هذه الجملة الأخيرة. المسؤولية تنتقل مجددًا إلى البروتوكول: خلل في التنسيق، لا قرار بإطلاق النار.

ماذا يقول القانون الدولي الإنساني؟

كما في مقال NAZA، المبادئ هنا جزء من القانون الدولي العرفي الملزم لكل الدول، سواء كانت طرفًا في البروتوكول الإضافي الأول أم لا.

1. سيارة مدنية على بعد 13 مترًا

مبدأ التمييز يُلزم بالتفريق بين المدنيين والمقاتلين. وعند الشك، يُعتبر الشخص مدنيًا.

في قضية NAZA، كان الشك ناتجًا عن نموذج إحصائي يخطئ في 10% من الحالات. هنا لا يوجد نموذج ولا خوارزمية. يوجد طاقم دبابة على مسافة تكفي لرؤية من في السيارة بالعين المجردة.

2. الطواقم الطبية محمية

القانون الدولي يفرض احترام وحماية أفراد الخدمات الطبية ووسائط النقل الطبي في كل الظروف، ويحظر مهاجمتهم ما داموا لا يشاركون في الأعمال العدائية.

ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يعتبر من جرائم الحرب تعمّد توجيه هجمات ضد وسائط النقل والأفراد الذين يستعملون الشارات المميزة المبينة في اتفاقيات جنيف، مثل شارة الهلال الأحمر.

سيارة إسعاف عليها الشارة، تسلك مسارًا وافقت عليه الجهة العسكرية نفسها. من الصعب تخيّل حالة تكون فيها الحماية القانونية أوضح من ذلك.

3. الأطفال

القانون الدولي الإنساني العرفي يمنح الأطفال المتأثرين بالنزاعات المسلحة احترامًا وحماية خاصين. هند وليان وأبناء عمها لم يكونوا مجرد مدنيين. كانوا أطفالًا يحاولون تنفيذ أمر إخلاء.

الخلاصة: الصوت الذي لم يُمحَ

في NAZA، كان الإنسان يتحول إلى Score، والعائلة إلى رقم في خانة «المدنيين المتوقع مقتلهم».

في قصة هند، تريد المنظومة أن تحوّل ما جرى إلى مسألة إجرائية: تنسيق، موافقة، مسار، «مركبة تقترب».

لكن هناك شيئًا واحدًا لم تستطع المنظومة تحويله إلى بيانات: صوت طفلة عمرها خمس سنوات تطلب أن يأتي أحد ليأخذها.

المنظومة سجّلت:        التسجيل احتفظ بـ:
مركبة                 هند
منطقة عمليات           ليان
طلب تنسيق              «الدبابة بجانبنا»
مسار معتمد             يوسف وأحمد
حادث قيد الفحص         ثلاث ساعات من الانتظار

هذا الصوت فعل ما لم تفعله البيانات: عبر الحدود، ودخل الجامعات وقاعات السينما، وقاس المسافة إلى الدبابة بالميلي ثانية، ووصل إلى المحكمة الجنائية الدولية، وأجبر بعد سنتين ونصف على اعتراف رسمي.

المسعفان التزما بالبروتوكول ولم يعودا. والمتطوعون في رام الله فعلوا كل ما يسمح به البروتوكول، وبقي الخط مفتوحًا حتى صمتت هند.

والسؤال الذي تتركه قصتها ليس فقط: لماذا لم تصل سيارة الإسعاف في الوقت المناسب؟

بل: ماذا يعني أن يحتاج إنقاذ طفلة إلى إذن من الجهة التي تطلق النار عليها؟

اسمها هند رجب. كانت في الخامسة من عمرها. أرادت أن تصبح طبيبة. وكانت تريد فقط أن يأتي أحد ليأخذها.

ماذا تستطيع أن تفعل؟

  • شارك قصتها باسمها. لا تقل «طفلة من غزة». قل: هند رجب. أمها طلبت ألا تتحول ابنتها إلى رقم.
  • تابع مسار العدالة. مؤسسة هند رجب تنشر تطورات القضايا التي ترفعها: hindrajabfoundation.org.
  • شاهد الفيلم وادعُ غيرك لمشاهدته. كل عرض جديد يعني أن صوت هند يصل إلى أشخاص لم يسمعوه بعد.
افتح المقال على شكل PDF
Genocide testimonies

اقرأ أيضاً من الأرشيف

شارك هذا المقال

تحميل تطبيق فلسطيننا الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.

أضف تعليقك

الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.